دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ٣٩ - (٤) القرآن كمصدر تاريخي
المتواتر [١].
وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية اقتداء بنبيها ، بقي القرآن محفوظا في حرز حريز ، إنجازا لوعد الله الذي تكفل بحفظه ، حيث يقول (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) [٢] ، ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند ، حيث لم يتكفل الله بحفظها ، بل وكلها إلى حفظ الناس ، فقال تعالى : (وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ) [٣] ، أي بما طلب إليهم حفظه ، والسر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأييد ، وأن هذا القرآن جيء به مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليها ، فكان جامعا لما فيها من الحقائق الثابتة ، زائدا عليها بما شاء الله زيادته ، وكان سادا مسدها ولم يكن شيء فيها يسد مسده ، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة ، وإذا قضى الله أمرا يسر له أسبابه ، وهو الحكيم العليم [٤].
غير أني أودّ أن أنبه ـ بعد أن أستغفر ربي العظيم كثيرا ـ إلى أن القرآن الكريم لم ينزّل كتابا في التاريخ ، يتحدث عن أخبار الأمم ، كما يتحدث عنها المؤرخون ، وإنما هو كتاب هداية وإرشاد للتي هي أقوم [٥] ، أنزله الله ، سبحانه وتعالى ـ ليكون دستورا للمسلمين ، ومنهاجا يسيرون
[١] محمد عبد الله دراز : النبأ العظيم ، ونظرات جديدة في القرآن من ١٢ ، ١٣
[٢] سورة الحجر : آية ٩
[٣] سورة المائدة : آية ٤٤
[٤] محمد عبد الله دراز : النبأ العظيم ص ١٣ ، ١٤
[٥] سورة الإسراء : آية ٩