دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ٢٢٩ - (٤) الكعبة قبيل الاسلام
بناء هذه المعابد وأمثالها ، لأنهم أمة خيام لم تتأصل فيهم صناعة البناء ، وهؤلاء الباحثون وأمثالهم ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ يتشبثون بالفروع ، ويغفلون الأصل ، بجذوره وجذوعه عليه ، فمهما يكن من لغة البناء الرومي أو الحبشي ، فالقبائل العربية لم تبن تلك البيوت لأن البناء من الروم أو من الحبش ، ولم ترد أن تنشئ لها بيتا يسمى «الكعبة» أو المكعبة في اللغة الرومية ، وإنما وجدت الحاجة إلى البيت الحرام ، ثم وجدت الوسيلة إلى تلك الغاية ، ولو لم يبنه أحد من الروم أو الحبش ، لبناه أحد من فارس أو مصر أو الهند أو غيرها من الأمم التى تقدمت في هذه الصناعات [١].
وقد بنى سليمان بن داود هيكله في وقت كان اليهود فيه ما يزالون في بداوة بدائية ، يندر فيهم من يعرف أصول حرفة أو صناعة أو علم من علوم الدنيا ، وكان الاعتماد على الفينيقيين الأجانب ، وعلى رأسهم حيرام الصوري ـ كما نقرأ في التوراة [٢] ـ هو الحل الوحيد الممكن أمام داود وسليمان ليرتفع هيكل الرب [٣] ، وكان المعبد في نهاية الأمر مزيجا عجيبا من الفنون المصرية والبابلية والفينيقية ، ورغم أن التوراة تشيد بإعجاب بالمساعدة الفينيقية ، فإن المعلومات التي يقدمها لنا سفر الملوك الأول تتيح لنا بسهولة التأكد من واقع تأثير مصر وبلاد الرافدين ، وعلى أي حال ، فإن سليمان كان مضطرا إلى أن يتطلع إلى نماذج خارج بلاده ، فهو لم يكن لديه في إسرائيل إلا تقاليد يهودية قليلة ، ما كانت لتفيده شيئا في بناء المعبد ، ومن ثم ، فإنه ـ رغم ما كان ينظر إليه تجاه الفن المصري والبابلي ، إلا أن
[١] عباس العقاد : مطلع النور ص ١١١ ـ ١١٢ ، وأنظر : تفسير الطبري ١١ / ٨٩ ـ ٩٠ (طبعة دار المعارف ١٩٥٧) ياقوت ٤ / ٤٦٣ ـ ٤٦٥ ، احمد حسن الباقوري : مع القرآن ، القاهرة ١٩٧٠
[٢] ملوك أول ٧ : ١٣ ـ ١٤
[٣] حسن ظاظا : القدس ص ٣٦ ـ ٣٨