دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ٣٥ - (٣) مصحف عثمان
بوحدة الجماعة ، أي أن عمل عثمان كان من مقاصده أساسا نشر النص القرآني بلسان قريش ، وإرساء هذا التقليد اللغوي الذي سبقته مقدمات كثيرة في عهد أبي بكر وعمر ، رضياللهعنهما ، ذلك لأن الخليفة الراشد إنما كان يعتبر التمارى في القرآن نوعا من الكفر [١].
ومن ثم فليس صحيحا ما ذهب إليه البعض من أنه قد يكون هناك غرض سياسي بقصد التقليل من نفوذ القراء الذي تزايد بسبب أنهم وحدهم الذين يعرفون مضمون القرآن ، بأن يوجد له نصا مقروءا [٢] ، فما كان للسياسة دخل عند صحابة رسول الله في شئون القرآن الكريم.
وعلى أي حال ، فلقد ساعد عثمان على تحقيق أهدافه من جمعه للقرآن ، أنه قد أمر بإحراق كل ما عدا مصحفه من صحف أو مصاحف كان قيّدها الصحابة والآخذون عنهم ، وقد انصاع الناس لأمره في سائر الأمصار ، فيما عدا ما روي عن عبد الله بن مسعود من أنه عارض ذلك ، وأمر الناس في الكوفة بالتمسك بمصحفه ـ كما أشرنا آنفا ـ لشبهة اعترته ، هي ظنه أن زيدا قد انفرد بالعمل ، وقد كان هو أولى من يقوم به ، فلما علم بعد ذلك أن موقفه قائم على شبهة لا أكثر ، وأن المصحف الذي أرسله عثمان هو نسخة من جمع أبي بكر ، الذي أخذ عن صدور الرجال ، وعن العسب واللخاف ، التي كتبت على عهد رسول الله وبإملائه ، وإن زيدا لم ينفرد بالعمل ، بل شاركه فيه جمع كبير من الصحابة ، وأجمع عليه المسلمون جميعا ، وافق اقتناعا أولا ، وحفاظا على وحدة الأمة ثانيا ، وبذلك تمت موافقة الأمة كلها على مصحف عثمان ، حتى قال مصعب بن
[١] عبد الصبور شاهين : تاريخ القرآن ص ١١٦ ـ ١١٧ ، البرهان ١ / ٢٣٥ ـ ٢٣٦ ، البخاري ٣ / ١٩٦ ـ ١٩٧
[٢] عبد المنعم ماجد : المرجع السابق ص ٢٥٢ ، قارن R.Blachere ,oc - cit PP.٦٥ ـ ٠٦