دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ١٨٦ - (١) بناء الكعبة
نقول يرد المرأة إلى أهلها ، بدل أن يقذف بها هناك في صحراء جرداء ، لا زرع فيه ولا ماء.
ولكن الخليل ـ عليهالسلام ـ لم يكن يفعل ما فعل بأمر من نفسه ، أو بأمر من سارة ـ كما يحلوا للسطحيين من المؤرخين ـ وإنما كان يفعل ذلك كله بأمر من رب إبراهيم ، تمهيدا لأعظم مهمة ، خلدت ذكر إبراهيم ، وهدت أقواما إلى الإيمان بالواحد القهار ، أعني أول بيت وضع للناس ـ بيت الله الحرام ـ وليعيش إسماعيل هناك ، وحتى يخرج من ظهره أشرف الأولين والآخرين ، رسول الله (صلىاللهعليهوسلم) وحتى تنشأ هناك خير أمة أخرجت للناس ، تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر ، وهكذا ، فالرأي عندي أن هجرة أبي الأنبياء بولده الحبيب وأمه ، إنما كانت لأمر أراده الله ، وليست انتقاما من سارة ، أرادت به أن يذهب الخليل بزوجه وولده إلى مكان سحيق ، لا تعرف عنهم شيئا ، ثم يعود إليها الخليل وحده ، ولهذا يتجه البعض أن هجرة إبراهيم بولده وزوجته إلى الأرض المقدسة في الحجاز إنما كانت بعد أن أمر الله إبراهيم ببناء البيت [١].
ومن هنا فإن الروايات التي ذهبت إلى أن سارة في قرارها الغاضب هذا أقسمت لتقطعنّ من هاجر ثلاثة أعضاء ، ومن ثم فقد أمر الخليل أن تثقب أذنيها وأن تخفضها ، فتبر بقسمها ، وهكذا كانت هاجر أول من اختتن من النساء ، وأول من ثقبت أذنيها منهن [٢] ، روايات لا تتفق ومكانة الخليل أبدا ، فضلا عن جهل فاضح بالتاريخ.
وليت الذين يذكرون ذلك كله يعرفون أن المصريات كن يلبسن «الحلقان» في آذانهن قبل تلك الأيام بمئات السنين ، وأن الختان عادة
[١] تفسير الطبري ٣ / ٦٨ ـ ٦٩
[٢] ابن كثير ١ / ١٥٤ ، العقد الفريد ١ / ١٣٥ ، تاريخ الخميس ص ١٠٥ ، شفاء الغرام ٢ / ١٥ ، المقدسي ٣ / ٥٣ ، قارن : مروج الذهب ٢ / ١٩ ـ ٢٠