موسوعة قرى ومدن لبنان - طوني مفرج - الصفحة ٤٥ - في العهد الإغريقي
الجبيليّ، و اقتباسهم لفنون تجاريّة دوليّة أتقنها الجبيليّ منذ القدم، و تعرّفهم إلى سلع و بضائع و حجارة كريمة جديدة لم يكونوا قد عرفوها من قبل. غير أنّ اللغة الإغريقيّة سوف تصبح اللغة الرسميّة، و إن كان الناس سيحافظون على لغة البلاد حتّى مجيء العرب.
بعد موت الإسكندر بداية صيف ٣٢٣ ق. م. و اقتسام إمبراطوريته بين قوّاده الذين سرعان ما اختلفوا و تحاربوا، أصبحت جبيل كما سائر مدن المنطقة عرضة للتجاذب بين القوى المتحاربة، و كانت صيدا قد احتلّت مركزا أوّل بين مدن الساحل في عهد أحد خلفاء الإسكندر: بطليموس (٢٨٦- ١٩٨ ق. م.). إلّا أنّه قبل أفول العهد السلوقيّ كانت جبيل قد نالت استقلالها في حوالى ١٢٤ ق. م. و سكّت نقودا بإسمها.
حافظت جبيل على مركزها الدينيّ الطليعيّ في العهد السلوقيّ، حتى أنّ طقوس عبادتها قد طغت على طقوس عبادة الإغريق عند هؤلاء، و أصبح معبد أفقا محجّ اليونان المتعبّدين.
في هذه الأثناء كانت جبيل و مدن الشمال اللبنانيّ تعاني غزوات الأيطوريّين، و هم قبائل عربيّة ناطقة باللغة الآراميّة، أسّست لها مملكة مستقلّة لا تعترف بسلطة السلوقيّين في البقاع عاصمتها عنجر. وراح الأيطوريّون يتسلّلون إلى الشاطئ اللبنانيّ حتّى أسّسوا لهم مدينة بجوار رأس الشقعة، و خرّبوا بساتين بيروت و جبيل، و قد عرف هؤلاء باللصوص المحترفين.
كلّ هذا كان يجري وسط فوضى مهلكة دبّت بالدولة السلوقيّة بسبب حروبها الداخليّة من جهة، و حروبها مع جميع شعوب المنطقة الثائرة لنيل استقلالها.