موسوعة قرى ومدن لبنان - طوني مفرج - الصفحة ٣٦ - جبيل عاصمة دينية
غير أنّ التفاعل الفكريّ يظهر جليّا في الدين، بحيث أنّ العنصر الأساسيّ في ذروة المعتقدات الدينيّة عند الفينيقيّ، كان تأليه الخصب، و هذا المعتقد عمّ جميع ديانات الشعوب الساميّة، و يبدو واضحا أثر المعتقد البابلي في المعتقد الساميّ، كما يبدو تأثّر هذين الدينين بالدين المصريّ، و في الدراسة المتعمّقة لهذه الأديان الثلاثة و للدين الإغريقيّ في ما بعد، يظهر بوضوح أن وسيطا ما، كان له فضل تفاعل حضارات تلك الشعوب مع بعضها البعض، و لا يمكن أن يكون ذلك الوسيط غير الفينيقيّ البحّار الجوّال التاجر المبدع الذكيّ الخلاق.
إلى جانب التجارة و الدين و الفكر، كان الفينيقيّ يحمل معه الفنون ذهابا و إيابا، و قد سما الجبيليّ برسم أشكال عدد من الأزهار المحليّة على الحلى و الأسلحة و المركبات إلى مستويات رائعة، و قد وجدت آثار و بقايا لتلك الرسوم المنقوشة في جبيل، كما في مصر و سواها من المراكز التي تعرّضت للحفر و الدراسة. حتّى أنّ الفينيقيّين عموما، و لا يمكن أن يكون الجبيليّ قد شذّ عن ذلك، ابتكروا، من جملة ما ابتكروه، صنع الأزهار الإصطناعيّة من الزجاج و المعدن، و قد وجدت في حفريّات جبيل و مصر نماذج من أجرار لها قعر حادّ صنعها الجبيليّ لنقل الصمغ و القار و العسل و الزيت، لم يتمكّن المصريّون من تقليده قبل القرن السابع ق. م.، و أقدم العاديّات الفينيقيّة عند الإغريق تعدّ تقليدا متأخّرا للفنون الفينيقيّة كما تشهد الآثار و تؤكّد الدراسات.
كذلك اقتبس العبران عن هذا الشعب كلّ ما يمكن وضعه تحت خانة الفنون و الصنائع، بما في ذلك صنع المجوهرات و الحلى و الأسلحة و الجرار و القدور، فالفينيقيّون هم الذين سوف يزخرفون قصر آخاب (٨٧٥- ٨٥٣ ق. م.) في السامرة بنقوش العاج ليعرف القصر بقصر العاج. و هم الذين