موسوعة قرى ومدن لبنان - طوني مفرج - الصفحة ١٤ - بدء الملاحة و الإزدهار
بين النهرين، بل تدلّ على أنّها صناعة معدنيّة مستقلّة. ليس هذا و حسب، بل قد يكون أنّ صناعة المعادن في العالم الإيجي قد اكتسبت عن جبيل. و إنّ في هذه الخلاصة التي استنتجها علماء كبار ما من شأنه أن يشكّل مفخرة للبنانيّين لأهميّة عراقة حضارتهم.
بدء الملاحة و الإزدهار
ممّا يدعو للدهشة حقّا أنّ الآثار المكتشفة في مصر، كالجسور من جذوع خشب الأرز و سواها من آنيّات، دلّت على أنّ جبيل كانت على اتّصال بمصر في عهد الأسرة الفرعونيّة الأولى قبل أن تتّحد مصر العليا و السفلى، علما بأنّ عهد السلالتين الأولى و الثانية يعود إلى الحقبة الواقعة بين ٣٢٠٠ و ٢٩٨٠ ق. م.؛ و من شأن هذه الإكتشافات أن تدلّ، بما لا يدع مجالا للشكّ، على أنّ الجبيليّين كانوا قد بدأوا تجارتهم البحريّة قبل القرن الثلاثين ق. م.، لا بل في هذه الإشارة إلى الملاحة البحرية الجبيليّة المبكرة ما يدعو للتساؤل عمّا إذا كان الجبيليّون الأوائل قد اختاروا مركز جبيل، و هو الميناء الطبيعيّ، بعد أن اكتشفوا الملاحة، كما سيتمّ في ما بعد اختيار المرافئ الطبيعيّة ليبنوا مدن صيدا و صور و بيروت و أرواد. على أيّ حال، فإنّ النموّ المتسارع نسبيّا لحضارة جبيل، من شأنه أن يفيد، من دون شكّ، عن بحبوحة اقتصاديّة لا يعقل أن تكون قد حصلت من دون تجارة خارجيّة مرتكزة على أعمال التصدير، و لم تكن السلع المتوفّرة مقتصرة على خشب الأرز، بل كان هناك النحاس و الفخّار البدائيّ و الجلود و الزيوت و الطيوب، و ربّما المواشي المدجّنة حديثا، و بذار القمح و سائر المزروعات المكتشفة في ذلك العهد. و قد دلّت آثار الحقبة الثانية في جبيل (٣٢٠٠- ٣٠٠٠ ق. م.) عن علاقة المدينة التجاريّة بقبرص و القوقاز أيضا.