موسوعة قرى ومدن لبنان - طوني مفرج - الصفحة ٤٤ - في العهد الإغريقي
في العهد الإغريقي
سنة ٣٣٣ ق. م. فاجأ الفاتح الإغريقيّ الشابّ الإسكندر المقدونيّ العالم بسحق الفرس بالقرب من أيسوس في آسيا الصغرى. و من هناك أرسل كتيبة من الفرسان لاحتلال مقرّ أركان الفرس: دمشق، و اتّجه هو على رأس بعض جيشه نحو الشاطئ الفينيقيّ، حيث راحت المدن، ما عدا صور، تفتح له أبوابها، و استسلمت له جبيل دون مقاومة، و لم يمض وقت طويل حتى كانت السفن الجبيليّة، كما الصيداويّة و الأرواديّة، تشارك الإسكندر في حصاره الشهير لجزيرة صور الذي دام سبعة أشهر قبل أن يتمكّن من ردم البحر و الانقضاض على الجزيرة المدينة في أواسط شهر تموز من العام ٣٣٢ ق. م.، و بذلك انتهى الدور العظيم الذي لعبته صور في التاريخ، بعد أن خلفها الإسكندر وراءه مدينة خربة محروقة شبه خالية من السكان.
إستنتج الباحثون أن النشاط التجاريّ الذي كان قائما بين الإغريقيّين و الفينيقيّين في زمن الإحتلال الفارسيّ، قد ازداد حيويّة و شموليّة بعد الفتح المقدونيّ، فقد رافق التجّار و البحّارة الفينيقيون حملات الإسكندر على بلوخستان (هي حاليّا المنطقة الجنوبيّة الغربيّة من باكستان.) و كان الجبيليّون في هذه الحقبة يساهمون من خلال تجارتهم بترويج البضائع الإغريقيّة في أسواق الشرق الأدنى، على أنّهم غدوا زعماء تجارة ورق البردى دون منازع، تلك التجارة التي ازدهرت في العصر السلوقيّ إذ استبدلت الكتابة على ألواح الآجرّ بالكتابة على ورق البردى.
كان للفتح الإغريقيّ تأثيره الملحوظ على حضارة جبيل و سائر المدن الفينيقيّة، فقد امتزجت الحضارتان الفينيقيّة و الإغريقيّة امتزاجا تفاعليّا في عمليّة أخذ و عطاء، و من جملة ما أخذه الإغريق من جبيل تبنّيهم للدين