موسوعة قرى ومدن لبنان - طوني مفرج - الصفحة ٣٨ - جبيل عاصمة دينية
مندوحة عن اعتبار أن الجبيليّ هو الذي اكتشف نجمة القطب الشماليّ ليتمكّن من تحديد الجهات، و إن يكن الإغريق قد سمّوا في ما بعد هذه النجمة بإسمهم. كما أنّ أطرزة السفن التي صنعها الجبيليّون و تطوّر أشكالها تنمّ عن نزعة علميّة أكيدة عند ذلك الشعب المذهل. و تؤكّد الدراسات الحديثة على أن الجبيليّين هم أوّل من أعطى شعوب الأرض فنّ الملاحة، فبعد المصريّين، أقتبس الإغريق عن الفينيقيّين فنون الملاحة و صناعة المراكب، و كذلك فعل العبران الذين علّمهم الصوريّون في ما بعد كيفيّة الإبحار.
و إذا كانت اقتصاديّات المدن الفينيقيّة التي نشأت في زمن متأخّر عن زمن نشوء مدينة جبيل، قد تركّزت على الفنون و التجارة و الملاحة، بعد أن كانت جبيل قد عبّدت الطريق لكلّ هذه الأنشطة الحضاريّة، فإنّ الجبيليّ قد أعطى الزراعة منذ البدء اهتماما كبيرا لأنّ اقتصادياتّه قد اعتمدت عليها في الأساس. و يستخلص الباحثون أنّه كان للزراعة، التي كانت الأساس في صراع الجبيليّ من أجل البقاء، أبعد الأثر في العقيدة الدينيّة عند الفينيقيّ.
نجد أوّل ما نجد من آثار للعبادة الجبيليّة القديمة، هيكلا للإله" رشف بعل"، و قد وجدت آثار هذا الهيكل في الطبقة الثانية من الحفريّات التي تعود إلى ما بين ٣٨٠٠ و ٣٢٠٠ ق. م.، و إسم رشف بعل يعني: النار و النور، و هذا يدلّ على أنّه كانت لذلك الإله علاقة بالشمس، و ليس بالنّار كما يظنّ البعض.
فإنّ تطوّر الديانة الجبيليّة في ما بعد سوف يدلّ على أنّ فكرة موت إله الخضرة في الصيف و قيامه في الربيع كانت تقرن بقوّة الشمس و حرارتها و انتصارها على الشتاء.
أمّا الهيكل الأقدم في جبيل، و الذي سيستمرّ وجوده طوال الحقبة السابقة للمسيح، فهو هيكل بعلة جبيل. و قد كان لكلّ مدينة فينيقيّة في ذلك الزمان إلهة