موسوعة قرى ومدن لبنان - طوني مفرج - الصفحة ٣٣ - إستقلال وسط التحولات الإقليمية
التوراة منذ أقدم العهود بإشارتها إلى- شيوخ جبيل-. و لسنا نعرف مجلس شيوخ في التاريخ أقدم من المجلس الجبيليّ، و كان هنالك ما يشبه مجموعة السلطة الحاكمة التي كان قوامها أصحاب المال و جماعات التجّار و قباطنة الملاحة، بل نلاحظ أيضا أنّ نوعا من الديموقراطيّة كان يفرض بظلّه على السلطة، ففي نقش على ناووس الملك الجبيليّ" يهاف ملك إبن يهاف بعل" الذي كشفت عنه الحفريّات، دعاء ينتهي بأن يحوز الملك بعد الموت" على رضى إلهه و رضى شعبه"، و ذلك دعاء لا يصدر عن ملك ليس لدى شعبه أيّة سلطة.
و هنالك إشارات أخرى إلى مكانة الشعبّ في المجتمع الجبيليّ، منها أنّ بيوت العامّة و مدافنهم لم تكن ذات فارق يذكر عن بيوت أكابر المجتمع.
و بالإمكان اعتبار أنّ نظام الحكم القرطجنّي الذي اقتبسه الرومان، و من ثمّ نشروه في العالم المتمدّن، إنّما هو امتداد لنهج الحكم الصوريّ المنقول حكما عن أمّ المدن الفينيقيّة: جبيل.
كانت جبيل، كما سائر المدن الفينيقيّة، قد أخذت تنعم باستقلال تامّ بعد المعاهدة المصريّة- الحثيّة في أواخر الألف الثالث عشر قبل الميلاد، عندما كانت شعوب مختلفة تتدفّق على منطقة الهلال الخصيب من كافّة الجهات البريّة و البحريّة. فقد اجتاحت القبائل الآراميّة سورية و العراق و شمالي الجزيرة العربيّة، و نتعرّف أوّل ما نتعرّف على هذه القبائل البدويّة الرحّل، التي قصدت المنطقة طلبا للماء و المرعى، في الجزيرة العربيّة في حوالى الألف الخامس عشر ق. م.، و قد نزلت مجموعات متعدّدة من هذه القبائل شواطئ الفرات الأوسط، و من هناك اتّجهت غربا نحو فلسطين و لبنان و سورية، حيث سيطرت على تلك المناطق سيطرة تامّة بعد أن طردت منها