موسوعة قرى ومدن لبنان - طوني مفرج - الصفحة ٣١ - وسط التجاذب الحثّي- المصري
تعرّض الفرعون لكمين حثّيّ كاد أن يودي بحياته، و يذكر بعض المؤرّخين أنّ الجبيليّين قد هبّوا إلى نجدة الفرعون إثر تعرّضه للكمين، و ساعدوا على فكّ الطوق عنه و عن جيشه، و أنّ الفرعون قد حفظ هذا الجميل لهم فأقام في جبيل زمنا أغرق خلاله ملوكها بالهدايا الثمينة التي وجدت في قبورهم.
لم يتمكّن المصريّون من اجتياز نهر العاصي نحو الحثيّين، و لم تتجاوز سيطرتهم الفعليّة منطقة الشاطئ رغم الحملات المتعاقبة التي استمرّت قرابة عشرين سنة كانت نهايتها سنة ١٢٨٠ ق. م. عندما عقد المصريّون مع الحثيّين معاهدة صداقة و حسن جوار، و تعدّ هذه المعاهدة التي حفظتها رسائل تلّ العمارنة بنسختيها المسماريّة و الهيروغليفيّة، و التي بقيت سالمة حتّى اليوم، أقدم المعاهدات الدوليّة المكتوبة في العالم قاطبة، و هي تنصّ على إحلال السلام إلى الأبد بين القوّتين، و على الإعتراف بشمال سورية و بلاد العموريّين بلادا حثيّة، و بجنوب سورية و مدن الشاطئ اللبنانيّ بلادا مصريّة، و هكذا عادت جبيل إلى الإستقرار في علاقاتها مع مصر من جديد.
لن تكون السيطرة المصريّة على جبيل هذه المرّة بذات شأن، فإنّ ظلّ السيادة المصريّة قد أخذ بالتقلّص من جهة، و لم تكن الصلات معها من جهة جبيل و ديّة شفّافة مثلما كانت قبل بدء الحروب المتعدّدة الجنسيّات ذات المصالح و المطامح، فقد ظهرت في جبيل روح استقلاليّة نستشفّها لأوّل مرّة من خلال نقش كتابيّ من رسائل تلّ العمارنة، هو تقرير بعث به رسول الفرعون الذي كانت مهمّته الحصول على خشب الأرز من جبيل، و قد ضمّن المبعوث تقريره الشكوى من أنّه قضى تسعة عشر يوما في ميناء أمير جبيل- زكر بعل- الذي كان يرفض مقابلته صراحة و يردّ على طلبات المقابلة الملحّة عبر حرّاس الميناء بقوله:" فلينصرف عنّي". و يبدي الرسول خوفه من أن