موسوعة قرى ومدن لبنان - طوني مفرج - الصفحة ٣٠ - وسط التجاذب الحثّي- المصري
بقيت جبيل رازحة تحت وطأة الإحتلال أكثر من ثلاثين سنة، و ليس لدينا أي أثر حسّي عن الأحوال الدقيقة للمدينة و أبنائها بخلال هذه الحقبة التي تلت سقوطها بيد العموريّين، و إن كان بوسعنا أن نستشفّ السيطرة الحثيّة عليها و مرورها بظروف ركود و جمود، و لا بدّ من أن يكون بعض الأموريّين قد اندمجوا مع جبيليّي تلك الحقبة الذين عفا عنهم الدمار، و لكنّنا لا نستطيع أن نعطي أيّ رقم عن عدد سكّان المدينة في ذلك الزمن، إذ ليس من مرجع أو مقارنة من شأنهما أن يفيدانا بشيء حول هذا الموضوع.
في حوالى ١٣١٧ ق. م.، اعتلى العرش المصريّ شجاع ينتمي إلى الأسرة التاسعة، إنّه ستي الأول الذي أعاد إلى قومه روحه الوطنيّة و زهو طموحاته، و بعد أن أعاد تأليف الجيش و تعزيزه، شنّ الحرب على الحثيّين في مناطق احتلالهم في فلسطين و لبنان، فتمكّن من الإستيلاء على الشاطئ حتى تعدّى مدينة أرواد إلى سميرا، فعادت بذلك جبيل إلى الفلك المصريّ، و أصبحت أحيانا قاعدة لبناء المراكب للأسطول الفرعونيّ لقربها من موارد خشب الأرز. و انتهت الحملة المصريّة إلى صلح عقد مع الحثيّين دون أن يعيّن حقّ أيّ من القوّتين في السيطرة على مدن الشاطئ، فأصبحت بذلك جبيل، كما سائر المدن الفينيقيّة، في وضع عدم استقرار سياسيّ و اقتصاديّ، خاصّة و أنّ ذلك الصلح بدا و كأنّه هدنة موقّتة، كان كلّ من الفريقين يستغلّها لتعزيز قواه. و ما أن خلف رعمسيس الثاني أباه ستي الأوّل في حوالى ١٣٠١ ق. م. حتّى زحف بجيشه شمالا عبر الشاطئ اللبنانيّ، و منه اتّجه شرقا إلى منابع العاصي. و نحن نعتقد أنّ رعمسيس قد سلك طريق أفقا- العاقورة- اليمّونة خلافا لما يرى البعض من أنّه سلك طريق وادي الليطاني. على أيّ حال فقد تلاحم الجيشان على ضفاف العاصي في حوالى ١٢٩٦ ق. م. حيث