موسوعة قرى ومدن لبنان - طوني مفرج - الصفحة ١٥ - بدء الملاحة و الإزدهار
لقد شبّه بعض الباحثين نشاط الملاحة البحريّة الجبيليّة في ذلك الوقت بأكبر الشركات البحريّة نسبة إلى اليوم، و إنّ آثار الحقبة الثالثة من حقبات جبيل التي تنتهي في حوالى ٣٠٠٠ ق. م. تدلّ على أنّ حدثا أسطوريّا أصاب القرية فغيّر معالمها، إذ وسّعت البيوت و حّسنت هندستها و تلاصقت، و أقيم حول كلّ منها شبه سور، و أصبح الحجر المستعمل في بنائها أكثر تهذيبا، و بدأ استعمال الأعمدة الخشبيّة عموديّا و الجسور أفقيّا في عمليّة سقفها، و تمّ بناء هيكل جديد للعبادة بالقرب من النبع، و وسّع الهيكل الأوّل فأصبح من بناءين؛ كذلك تطوّرت صناعة الخزف بعد أن عرفوا دولاب الخزّاف و الأتون من خلال اتّصالهم بفلسطين و بلاد ما بين النهرين، و أصبحت صناعته حرفة تقوم بذاتها، و إنّ أقدم قطع خزفيّة لبنانيّة، قد وجدت في جبيل؛ و بدأوا يتعاطون صناعة المعادن بشكل واسع. و من دلالات التطوّر الإجتماعيّ السريع في تلك الحقبة نقل المدافن إلى خارج المناطق السكنيّة.
مع بداية العهد البرونزي في أوائل الألف الثالث ق. م.، كانت مساحة جبيل قد زادت إلى حوالى عشرة دونومات كما بيّنت حفريّات الطبقة الرابعة، و قد اكتظّت هذه المساحة بالبناء الذي أصبح متلاصقا حول أزقّة يتّصل جميعها بطريق يقود إلى المقابر، و قد ظهرت معالم أقنية لتصريف المياه زوّدت بها تلك الأزقّة. و كان الهيكل الرئيسيّ قد أضحى أكثر اتساعا و أضيف إليه، فضلا عن ذلك، باحة خارجيّة رحبة مرصوفة. و استمرّ ذلك التوسّع طوال العهد البرونزيّ، إذ سرعان ما أصبحت جبيل، قبيل حلول منتصف القرن الثلاثين ق. م.، مدينة مزدهرة التجارة الخارجيّة كما تدلّ آثار الحقبة الثالثة من حفريّاتها، و تؤكّد على ذلك الآثار الفرعونيّة في مصر، فإضافة إلى الأخشاب التي كانت تصدّرها جبيل إلى مصر الفقيرة بهذه المادة، أصبحت