دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢١٠ - في تأسيس الأصل في المسألة
إذا عرفت ما ذكرنا، فقد تصدى غير واحد من الأفاضل لإقامة البرهان على الملازمة، و ما أتى منهم بواحد (١) خال عن الخلل، و الأولى إحالة ذلك إلى الوجدان؛ حيث إنّه (٢) أقوى شاهد على أن الإنسان إذا أراد شيئا له مقدمات أراد تلك
جريان الأصل: في المقدمة حينئذ يستلزم التناقض؛ حيث إن المفروض: وجوب المقدمة فعلا، و مقتضى الأصل عدمه كذلك، فحينئذ يجتمع الوجوب الفعلي و عدمه على المقدمة.
أما الأول: فللملازمة. و أما الثاني: فللأصل، و ليس هذا إلّا التناقض.
قوله: «نعم؛ لو كانت الدعوى ...» إلخ استدراك على قوله: «لا ينافي الملازمة».
و حاصله: أنه تتحقق المنافاة بينهما إذا كان المدّعى الملازمة المطلقة حتى في مرتبة الفعلية، فلا يصح حينئذ جريان الأصل في وجوب المقدمة؛ حيث إن مقتضى الملازمة المطلقة- مع فرض وجوب ذي المقدمة- هو: العلم بوجوب المقدمة بطريق اللم، فالشك البدوي في وجوبها يرتفع بالعلم بوجوب ذيها، و مع هذا العلم الموجب للعلم بوجوب المقدمة لا مجال لجريان الأصل في عدم وجوبها. و قد أشار إليه بقوله: «لما صحّ التمسك بالأصل»؛ لعدم الموضوع للأصل، حيث إن موضوعه هو الشك، و المفروض: انتفاؤه.
(١) أي: ما أتى منهم ببرهان واحد خال عن الخلل، و لا داعي لإيراد تلك البراهين؛ إذ ليس ذكرها إلّا التطويل بلا طائل.
(٢) أي: الوجدان أكبر قاض و أقوى شاهد على: أن الإنسان إذا أراد شيئا متوقفا على مقدمات أراد تلك المقدمات قهرا لو التفت إليها، و احتج بمثل هذا صاحب التقريرات «(رحمه اللّه)»، و قد عزاه في البدائع إلى جمع من الأعيان كالمحقق الدواني، و المحقق الطوسي، و سيد الحكماء المير محمد باقر الداماد، و هو أقوى الأدلة التي استدل بها في المقام.
و حاصل هذا البرهان: أن الوجدان يحكم بالملازمة بين إرادة شيء، و إرادة مقدماته، لو التفت المريد إلى تلك المقدمات؛ بل قد يأمر المولى عبده بها مولويا؛ كما يأمر بنفس ذلك الشيء فيقول مولويا: «ادخل السوق و اشتر اللحم»، فالأمر بدخول السوق- الذي هو مقدمة- يكون مولويا كالأمر بذي المقدمة و هو شراء اللحم، و التفاوت بينهما: أن الشراء ابتدائي و الدخول تبعي، و أنه حيث تعلقت إرادته بإيجاد عبده الاشتراء؛ ترشحت من هذه الإرادة للمولى إرادة أخرى بدخول السوق؛ بعد الالتفات إلى لزوم الدخول لكونه مقدمة للواجب.