دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٩٦ - تقديم ما هو مستند إلى الوضع على ما هو مستند إلى مقدمات الحكمة
لكونه شموليا، بخلاف المطلق فإنه بالحكمة، فيكون العام أظهر منه فيقدم عليه، فلو فرض أنهما في ذلك على العكس، فكان عام بالوضع دل على العموم البدلي، و مطلق بإطلاقه دل على الشمول، لكان العام يقدم بلا كلام.
و أما في الثاني (١): فلأن التقييد و إن كان خلاف الأصل، إلّا إن العمل- الذي يوجب عدم جريان مقدمات الحكمة، و انتفاء بعض مقدماته- لا يكون على خلاف الأصل أصلا، إذ معه لا يكون هناك إطلاق؛ كي يكون بطلان العمل به في الحقيقة مثل التقييد الذي يكون على خلاف الأصل.
و بالجملة: لا معنى لكون التقييد خلاف الأصل إلّا كونه (٢) خلاف الظهور المنعقد للمطلق ببركة مقدمات الحكمة، و مع انتفاء المقدمات (٣) لا يكاد ينعقد له هناك
(١) بعد ما فرغ المصنف عن جواب الوجه الأول شرع في الجواب عن الوجه الثاني و هو:
استلزام تقييد الهيئة لارتكاب خلاف أصلين، و استلزام تقييد المادة ارتكاب خلاف أصل واحد.
و حاصل الجواب عن الوجه الثاني يتضح بعد تقديم مقدمة و هي: الفرق بين تقييد إطلاق المطلق بعد انعقاده بجريان مقدمات الحكمة، و بين إيجاد المانع عن جريان مقدمات الحكمة، الموجبة لانعقاد إطلاق المطلق.
و حاصل الفرق: أن الأول مخالف للأصل دون الثاني؛ إذ ليس إيجاد المانع عن انعقاد الإطلاق كالتقييد في المخالفة للأصل؛ لأن المراد بالأصل هنا هو الإطلاق، و من المعلوم: إنه لا إطلاق عند عدم جريان مقدمات الحكمة.
إذا عرفت هذه المقدمة فيتضح لك: أن ما ذكر من كون التقييد في الهيئة يوجب بطلان الإطلاق في المادة- و هو خلاف الأصل- غير تام؛ إذ تقييد الهيئة لا يوجب تقييد إطلاق المادة حتى يكون على خلاف الأصل.
بل تقييد الهيئة يوجب عدم انعقاد الإطلاق في جانب المادة، و هذا ليس مخالفا للأصل أصلا.
فقول الشيخ في بيان الكبرى- حيث قال: «و لا فرق في الحقيقة بين تقييد الإطلاق، و بين أن يعمل عملا يشترك مع التقييد في الأثر و بطلان العمل به»- غير مستقيم؛ لما عرفت من الفرق بينهما: من أن الأول: على خلاف الأصل دون الثاني. فالقياس بينهما قياس مع الفارق.
(٢) أي: كون التقييد «خلاف الظهور ...» إلخ.
(٣) أي: يكفي في عدم انعقاد الإطلاق انتفاء إحدى مقدمات الحكمة، من دون الحاجة إلى انتفاء الجميع.