البدعة وآثارها الموبقة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٧ - الإسلام بين التزمّت والتحلل من القيود الشرعية
٤ ـ روى عن أبي مصعب صاحب مالك أنه قال: "قدم علينا ابن مهدي ـ يعني المدينة ـ فصلّى ووضع رداءه بين يدي الصف، فلما سلّم الإمام رمقه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكاً ـ وكان قد صلّى خلف الإمام ـ فلمّا سلّم قال: من هاهنا من الحرس؟ فجاءه نفسان، فقال: خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه.
فحبس، فقيل له: إنه ابن مهدي، فوجّه إليه وقال: أما خفت الله واتّقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف وشغلت المصلّين بالنظر إليه، وأحدثت في مسجدنا شيئاً ما كنّا نعرفه، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): "من أحدث في مسجدنا حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين"؟ فبكى ابن مهدي، وآلى على نفسه أن لا يفعل ذلك أبداً في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) ولا في غيره"[١].
٥ ـ حكى ابن وضاح قال: ثوَب المؤذن بالمدينة في زمان مالك. فأرسل إليه مالك فجاءه، فقال له مالك: ما هذا الذي تفعل؟ فقال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر فيقوموا. فقال له مالك: لا تفعل، لا تحدث في بلدنا شيئاً لم يكن فيه، قد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله)بهذا البلد عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يفعلوا هذا، فلا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه، فكفّ المؤذن عن ذلك وأقام زماناً، ثمّ إنّه تنحنح في المنارة عند طلوع الفجر، فأرسل إليه مالك، فقال له: ما الذي تفعل؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر، فقال له: ألم أنهك أن لا تحدث عندنا ما لم
١- الشاطبي، الاعتصام ٢: ٦٨.