البدعة وآثارها الموبقة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٩ - ما لم يكن في القرون الثلاثة
الرواية، إلاّ أنّ جميعها لا يستفاد منها ما يتبنّاه الكاتب، فبعض قال: إنّ المراد من القرن في قوله: "قرني" هو أصحابه، ومن "الذين يلونهم" أبناءهم ومن "الثالث" أبناء أبنائهم.
وقال آخر: بأنّ قرنه ما بقيت عين رأته، ومن الثاني ما بقيت عين رأت من رآه، ثمّ كذلك.
وثالث قال: إنّ قرنه الصحابة، والثاني التابعون، والثالث تابعوهم[١].
وعلى كلّ تقدير تكون المدّة أقلّ من ثلاثة قرون، حتى لو أخذنا بالقول الأخير الذي هو أعمّ الأقوال وأوسعها. فإنّ آخر من مات من الصحابة هو أبو الطفيل، وقد اختلفوا في تاريخ وفاته على أقوال: فقيل: أنّه توفّي سنة ١٢٠ أو دونها أو فوقها بقليل وأمّا قرن التابعين فآخر من توفّي منهم كان عام ١٧٠ أو ١٨٠ وآخر من عاش من أتباع التابعين ممّن يقبل قوله، من توفّي حدود ٢٢٠، فقيل عن ثلاثة قرون بثمانين سنة، وهذا كثير جدّاً، ولأجل عدم انطباقه على ثلاثة قرون قال ابن حجر العسقلاني: "وفي هذا الوقت ٢٢٠ هـ ظهرت البدع فاشياً، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رؤوسها، وأمتُحِن أهل العلم ليقولوا بخَلْق القرآن، وتغيّرت الأحوال تغيّراً شديداً ولم يزل الأمر في نقص الى الآن"[٢].
ولو افترضنا أنّ القرن يستعمل في مائة سنة فلا يصحّ تفسير
١- صحيح مسلم، شرح النووي ١٦: ٨٥.
٢- ابن حجر العسقلاني، فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٧: ٤.