البدعة وآثارها الموبقة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٨ - ما لم يكن في القرون الثلاثة
روى البخاري قال: سمعت عمران بن الحصين يقول: قال رسول الله: "خير أُمّتي قرني ثمّ الذين يلونهم ثمّ الذين يلونهم"، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، "ثمّ إنّ بعدكم قوماً، يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يُؤتمنون، ويَنذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن".
وروى أيضاً عن عبد الله (رضي الله عنه) أنّ النبيّ قال: "خير الناس قَرني ثمّ الذين يلونهم ثمّ يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته"، قال: قال إبراهيم: وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار[١].
إنّ الاحتجاج بهذه الرواية على أنّ الميزان في تمييز البدعة عن السنّة، هو أنّ كلّ ما حدث في القرون الثلاثة الأُولى ليس ببدعة; وأمّا الحادث بعدها فهو بدعة، باطل بوجوه:
الأوّل: إنّ القرن في اللّغة هو النسل[٢] وبهذا المعنى استعمل في القرآن الكريم، قال سبحانه: {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} (الأنعام/٦) وبما أنّ المتعارف في عمر كلّ نسل هو الستّون أو السبعون، يكون المراد، مجموع تلك السنين التي تتراوح بين ١٨٠ و ٢١٠ وأين هذا من تفسير الحديث بثلاثمائة سنة؟!
الثاني: على الرغم من اختلاف شرّاح الحديث في تفسير
١- ابن حجر العسقلاني، فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٧: ٦ باب فضائل أصحاب النبي ـ النووي، شرح صحيح مسلم ٨: ٨٤ ـ ٨٥.
٢- الخليل، العين: ترتيب العين ـ ابن منظور، اللسان: مادة "قران".