الاجتهاد و التقليد - الوحيد البهبهاني، محمّد باقر - الصفحة ٤٤ - الصراع الفكري بين الوحيد و صاحب الحدائق في كربلاء
الحرم ليقيم الصلاة جماعة و رجع الوحيد البهبهاني إلى الصحن و افترش عباءته على طرف مدخل باب القبلة، و أذّن و أقام و صلّى صلاة الصبح.
و في أمثال هذه المحاورات كان الوحيد يتمكّن من خصومه الفكريّين و يدحض شبهاتهم و يكرّس الاتّجاه الأصولي و يعمّقه.
و لا بدّ أن نقول مرّة أخرى اعترافا بالفضل للشيخ يوسف مؤلّف (الحدائق): إنّ تقوى الشيخ و خلوصه و صدقه و ابتغاءه للحقّ كان من أهمّ عوامل هذا الانقلاب الفكري الّذي جرى على يد الوحيد في كربلاء، و لو كان الشيخ يوسف يبتغي الجدل العلمي في حواره مع الوحيد البهبهاني لطالب محنة هذه المدرسة الفقهيّة، و اتّسعت مساحة الخلاف فيها، و تعمّق فيها الخلاف، و لكن الشيخ يوسف كان يؤثر رضا اللّه و الحقّ على أيّ شيء آخر، و مكّن الوحيد البهبهاني في حركته الإصلاحيّة العلميّة.
و من غرائب ما يروى عن هذا العبد الصالح، أنّ الوحيد كان يحظر على تلاميذه حضور دروس الشيخ يوسف، و لكنّ الشيخ في المقابل كان يسمح لتلاميذه بحضور دروس الوحيد، و كان يقول كلّ يعمل بموجب تكليفه، و يعذر الوحيد في ذلك، و هو نموذج رائع من نماذج سعة الصدر و التقوي في فقهائنا الأعلام.
و نشط الوحيد البهبهاني يومئذ في التدريس و حفل درسه بفضلاء الطلبة و علماء كربلاء، و برز في مجلس درسه عدد كبير من العلماء و المحقّقين و المجتهدين ممّن تخرّجوا عليه.
و لو تحرّينا نحن فروع شجرة فقهاء أهل البيت في القرن الثاني عشر و الثالث عشر و الرابع عشر وجدنا أنّهم جميعا يرجعون بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الوحيد البهبهاني و لذلك يطلق عليه (أستاذ الكلّ)