الإمام الباقر عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٨ - الفصل الثَّاني الإِمَامُ وَعَصْرُهُ

فَقَالَ: قَدْ آنَسَ اللهُ وَحْشَتَهُمْ بِرُجُوعِكَ إِلَيْهِمْ، وَلَا تُقِمْ، سِرْ مِنْ يَوْمِكَ.

فَاعْتَنَقَهُ أَبِي وَدَعَا لَهُ وَفَعَلْتُ أَنَا كَفِعْلِ أَبِي، ثُمَّ نَهَضَ وَنَهَضْتُ مَعَهُ وَخَرَجْنَا إِلَى بَابِهِ إِذَا مَيْدَانٌ بِبَابِهِ وَفِي آخِرِ المَيْدَانِ أُنَاسٌ قُعُودٌ عَدَدٌ كَثِيرٌ قَالَ أَبِي: مَنْ هَؤُلَاءِ؟

فَقَالَ الْحُجَّابُ: هَؤُلَاءِ الْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ وَهَذَا عَالِمٌ لَهُمْ يَقْعُدُ إِلَيْهِمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْماً وَاحِداً يَسْتَفْتُونَهُ فَيُفْتِيهِمْ.

فَلَفَّ أَبِي عِنْدَ ذَلِكَ رَأْسَهُ بِفَاضِلِ رِدَائِهِ وَفَعَلْتُ أَنَا مِثْلَ فِعْلِ أَبِي فَأَقْبَلَ نَحْوَهُمْ حَتَّى قَعَدَ نَحْوَهُمْ وَقَعَدْتُ وَرَاءَ أَبِي، وَرُفِعَ ذَلِكَ الْخَبَرُ إِلَى هِشَامٍ فَأَمَرَ بَعْضَ غِلْمَانِهِ أَنْ يَحْضُرَ المَوْضِعَ فَيَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ أَبِي، فَأَقْبَلَ وَأَقْبَلَ عِدَادٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأَحَاطُوا بِنَا، وَأَقْبَلَ عَالِمُ النَّصَارَى وَقَدْ شَدَّ حَاجِبَيْهِ بِحَرِيرَةٍ صَفْرَاءَ حَتَّى تَوَسَّطَنَا، فَقَامَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ مُسَلِّمِينَ عَلَيْهِ فَجَاؤُوا بِهِ إِلَى صَدْرِ المَجْلِسِ فَقَعَدَ فِيهِ وَأَحَاطَ بِهِ أَصْحَابُهُ وَأَبِي وَأَنَا بَيْنَهُمْ، فَأَدَارَ نَظَرَهُ ثُمَّ قَالَ لِأَبِي:

أَمِنَّا أَمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ المَرْحُومَةِ؟

فَقَالَ أَبِي: بَلْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ المَرْحُومَةِ.

فَقَالَ: مِنْ أَيِّهِمْ أَنْتَ، مِنْ عُلَمَائِهَا أَمْ مِنْ جُهَّالِهَا؟

فَقَالَ لَهُ أَبِي: لَسْتُ مِنْ جُهَّالِهَا، فَاضْطَرَبَ اضْطِرَاباً شَدِيداً، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَسْأَلُكَ؟ فَقَالَ لَهُ أَبِي: سَلْ. فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةَ يَطْعَمُونَ وَيَشْرَبُونَ وَلَا يُحْدِثُونَ وَلَا يَبُولُون؟

وَمَا الدَّلِيلُ فِيمَا تَدَّعُونَهُ مِنْ شَاهِدٍ لَا يُجْهَلُ؟