الإمام الباقر عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٠ - الفصل الثَّاني الإِمَامُ وَعَصْرُهُ

دخول الإمام عليه ونصيحته له:

يروي هِشَامِ بْنِ مُعَاذٍ ويقول: كُنْتُ جَلِيساً لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَيْثُ دَخَلَ المَدِينَةَ، فَأَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى: مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ أَوْ ظُلَامَةٌ فَلْيَأْتِ الْبَابَ، فَأَتَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام، يَعْنِي الْبَاقِرَ عليه السلام، فَدَخَلَ إِلَيْهِ مَوْلَاهُ مُزَاحِمٌ فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ بِالْبَابِ. فَقَالَ لَهُ: أَدْخِلْهُ يَا مُزَاحِمُ. قَالَ: فَدَخَلَ وَعُمَرُ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ مِنَ الدُّمُوعِ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام:

مَا أَبْكَاكَ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ هِشَامٌ: أَبْكَاهُ كَذَا وَكَذَا يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام: يَا عُمَرُ! إِنَّمَا الدُّنْيَا سُوقٌ مِنَ الْأَسْوَاقِ مِنْهَا خَرَجَ قَوْمٌ بِمَا يَنْفَعُهُمْ وَمِنْهَا خَرَجُوا بِمَا يَضُرُّهُمْ، وَكَمْ مِنْ قَوْمٍ قَدْ ضَرَّهُمْ بِمِثْلِ الَّذِي أَصْبَحْنَا فِيهِ حَتَّى أَتَاهُمُ المَوْتُ فَاسْتَوْعَبُوا فَخَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا مَلُومِينَ لِمَا لَمْ يَأْخُذُوا لِمَا أَحَبُّوا مِنَ الْآخِرَةِ عُدَّةً وَلَا مِمَّا كَرِهُوا جُنَّةً، قَسَمَ مَا جَمَعُوا مَنْ لَا يَحْمَدُهُمْ، وَصَارُوا إِلَى مَنْ لَا يَعْذِرُهُمْ، فَنَحْنُ وَاللهِ مُحِقُّونَ أَنْ نَنْظُرَ إِلَى تِلْكَ الْأَعْمَالِ الَّتِي كُنَّا نَغْبِطُهُمْ بِهَا فَنُوَافِقَهُمْ، وَنَنْظُرَ إِلَى تِلْكَ الْأَعْمَالِ الَّتِي كُنَّا نَتَخَوَّفُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا فَنَكُفَّ عَنْهَا.

فَاتَّقِ اللهَ وَاجْعَلْ فِي قَلْبِكَ اثْنَتَيْنِ تَنْظُرُ الَّذِي تُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مَعَكَ إِذَا قَدِمْتَ عَلَى رَبِّكَ فَقَدِّمْهُ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَتَنْظُرُ الَّذِي تَكْرَهُهُ أَنْ يَكُونَ مَعَكَ إِذَا قَدِمْتَ عَلَى رَبِّكَ فَابْتَغِ بِهِ الْبَدَلَ، وَلَا تَذْهَبَنَّ إِلَى سِلْعَةٍ قَدْ بَارَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكَ تَرْجُو أَنْ تَجُوزَ عَنْكَ، وَاتَّقِ اللهَ يَا عُمَرُ وَافْتَحِ الْأَبْوَابَ وَسَهِّلِ الْحِجَابَ وَانْصُرِ المَظْلُومَ وَرُدَّ المَظَالِمَ.

ثُمَّ قَالَ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ بِاللهِ.

فَجَثَا عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ: إِيهِ يَا أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، فَقَالَ: نَعَمْ