الإمام الباقر عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥١ - الفصل الثَّاني الإِمَامُ وَعَصْرُهُ

يَا عُمَرُ! مَنْ إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي الْبَاطِلِ، وَإِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ غَضَبُهُ مِنَ الحَقِّ، وَمَنْ إِذَا قَدَرَ لَمْ يَتَنَاوَلْ مَا لَيْسَ لَهُ.

فَدَعَا عُمَرُ بِدَوَاةٍ فِي قِرْطَاسٍ وَكَتَبَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا رَدَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ظُلَامَةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فَدَك».

ثانياً: يبدو أن بني أمية كانوا يتجنبون قتل أبناء علي عليه السلام بصورة ظاهرة؛ للآثار السلبية التي خلفتها عليهم واقعة الطف، وكان الأئمة بدورهم لا يجدون الظروف مؤاتية للقيام بنهضة دموية. والقصة التالية التي يذكرها الرواة تشهد بذلك، فبعد أن نازع زيد بن الحسن الإمام الباقر في ميراث رسول الله استنجد بالخليفة الأموي (عبد الملك بن مروان) ودخل عليه وقال له:

أَتَيْتُكَ مِنْ عِنْدِ سَاحِرٍ كَذَّابٍ لَا يَحِلُّ لَكَ تَرْكُهُ، وَقَصَّ عَلَيْهِ مَا رَأَى وَكَتَبَ عَبْدُ المَلِكِ إِلَى عَامِلِ المَدِينَةِ: أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ مُقَيَّداً، وَقَالَ لِزَيْدٍ: أَرَأَيْتَكَ إِنْ وَلَّيتُكَ قَتْلَهُ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.

ولكن عامله على المدينة استدرك الأمر وكتب إلى الخليفة:

إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي أَرَدْتَهُ لَيْسَ الْيَوْمَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَعَفَّ مِنْهُ وَلَا أَزْهَدَ وَلَا أَوْرَعَ مِنْهُ، وَإِنَّهُ لَيَقْرَأُ فِي مِحْرَابِهِ فَيَجْتَمِعُ الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ تَعَجُّباً لِصَوْتِهِ، وَإِنَّ قِرَاءَتَهُ كَشِبْهِ مَزَامِيرِ دَاوُدَ، وَإِنَّهُ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ وَأَرَقِّ النَّاسِ وَأَشَدِّ النَّاسِ اجْتِهَاداً وَعِبَادَةً، وَكَرِهْتُ لِأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ التَّعَرُّضَ لَهُ

إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ.

وهكذا تراجع عبد الملك مما بدر منه. وبعد أن اكتشف كذب زيدبن الحسن أخذه وقيَّده وهيَّأه،

وقال له: لَوْلَا أَنِّي أُرِيدُ لَا أُبْتَلَى بِدَمِ أَحَدٍ مِنْكُمْ لَقَتَلْتُكَ. ثم كتب إلى الإمام الباقر عليه السلام: بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِابْنِ عَمِّكَ فَأَحْسِنْ أَدَبَه [١].


[١] بحار الأنوار، ج ٤٦، ص ٣٢٩- ٣٣١، باختصار.