الإمام الباقر عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨ - الفصل الأول المِيْلادُ المَيْمُونُ

الاستعاذة، وَكَانَ لَا يُسْمَعُ مِنْ دَارِهِ يَا سَائِلُ بُورِكَ فِيكَ وَلَا يَا سَائِلُ خُذْ هَذَا، وَكَانَ يَقُولُ: سَمُّوهُمْ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِم» [١].

وحينما يذكر أبو نعيم في كتابه الحلية الإمام يصفه بهذا النعت:

«الْحَاضِرُ الذَّاكِرُ الْخَاشِعُ الصَّابِرُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِر» [٢].

وكان من شدة خشوعه ما يذكره (أفلح) مولى أبي جعفر أنه قال:

«خَرَجْتُ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ حَاجًّا فَلَمَّا دَخَلَ المَسْجِدَ نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ فَبَكَى حَتَّى عَلَا صَوْتُهُ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ فَلَوْ رَفَعْتَ بِصَوْتِكَ قَلِيلًا [٣]، فَقَالَ لِي: وَيْحَكَ يَا أَفْلَحُ! وَلِمَ لَا أَبْكِي لَعَلَّ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَنْظُرَ إِلَيَّ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ فَأَفُوزَ بِهَا عِنْدَهُ غَداً، قَالَ: ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ جَاءَ حَتَّى رَكَعَ عِنْدَ المَقَامِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِهِ فَإِذَا مَوْضِعُ سُجُودِهِ مُبْتَلٌّ مِنْ كَثْرَةِ دُمُوعِ عَيْنَيْهِ. وَكَانَ إِذَا ضَحِكَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَمْقُتْنِي» [٤].

ويقول نجلُه الإمام الصادق عليه السلام وهو يصف تبتل والده إلى الله:

«كَانَ أَبِي كَثِيرَ الذِّكْرِ. لَقَدْ كُنْتُ أَمْشِي مَعَهُ وَإِنَّهُ لَيَذْكُرُ اللهَ، وَآكُلُ مَعَهُ الطَّعَامَ وَإِنَّهُ لَيَذْكُرُ اللهَ، وَلَوْ كَانَ يُحَدِّثُ لِقَوْمٍ مَا يَشْغَلُهُ ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وَكُنْتُ أَرَى لِسَانَهُ لَاصِقاً بِحَنَكِهِ يَقُولُ:

لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. وَكَانَ يَجْمَعُنَا فَيَأْمُرُنَا بِالذِّكْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِالْقِرَاءَةِ مَنْ كَانَ يَقْرَأُ مِنَّا، وَمَنْ كَانَ لَا يَقْرَأُ مِنَّا أَمَرَهُ بِالذِّكْر» [٥].


[١] في رحاب أئمة أهل البيت سيرة الباقر: (ص ٦).

[٢] بحار الأنوار، ج ٤٦، ص ٢٨٩، نقلًا عن حلية الأولياء، ج ٣ ص ١٨٠.

[٣] الظاهر خفضت والله العالم.

[٤] بحار الأنوار، ج ٤٦، ص ٢٩٠.

[٥] بحار الأنوار، ج ٤٦، ص ٢٩٧.