الإمام الباقر عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٠ - الفصل الثَّاني الإِمَامُ وَعَصْرُهُ

لَأَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَا تُهْدَى إِلَى الْجَوَابِ عَنْهَا أَبَداً.

قَالَ لَهُ أَبِي: سَلْ فَإِنَّكَ حَانِثٌ فِي يَمِينِكَ.

فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ مَوْلُودَيْنِ وُلِدَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَمَاتَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عُمُرُ أَحَدِهِمَا خَمْسُونَ سَنَةً وَعُمُرُ الْآخَرِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً فِي دَارِ الدُّنْيَا؟

فَقَالَ لَهُ أَبِي: ذَلِكَ عُزَيْرٌ وَعُزَيْرَةُ وُلِدَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَلَمَّا بَلَغَا مَبْلَغَ الرِّجَالِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ عَاماً مَرَّ عُزَيْرٌ عَلَى حِمَارِهِ رَاكِباً عَلَى قَرْيَةٍ بِأَنْطَاكِيَةَ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها

قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [١]

وَقَدْ كَانَ اصْطَفَاهُ وَهَدَاهُ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ سَخَطاً عَلَيْهِ بِمَا قَالَ، ثُمَّ بَعَثَهُ عَلَى حِمَارِهِ بِعَيْنِهِ وَطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَعَادَ إِلَى دَارِهِ، وَعُزَيْرَةُ أَخُوهُ لَا يَعْرِفُهُ فَاسْتَضَافَهُ فَأَضَافَهُ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ وَلَدَ عُزَيْرَةَ وَوَلَدَ وَلَدِهِ وَقَدْ شَاخُوا، وَعُزَيْرٌ شَابٌّ فِي سِنِّ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَلَمْ يَزَلْ عُزَيْرٌ يُذِكِّرُ أَخَاهُ وَوُلْدَهُ وَقَدْ شَاخُوا وَهُمْ يَذْكُرُونَ مَا يُذَكِّرُهُمْ وَيَقُولُونَ: مَا أَعْلَمَكَ بِأَمْرٍ قَدْ مَضَتْ عَلَيْهِ السِّنُونَ وَالشُّهُورُ، وَيَقُولُ لَهُ عُزَيْرَةُ وَهُوَشَيْخٌ كَبِيرٌ ابْنُ مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً: مَا رَأَيْتُ شَابًّا فِي سِنِّ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً أَعْلَمَ بِمَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَخِي عُزَيْرٍ أَيَّامَ شَبَابِي مِنْكَ! فَمِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ أَنْتَ أَمْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ؟ فَقَالَ: يَا عُزَيْرَةُ أَنَا عُزَيْرٌ سَخِطَ اللهُ عَلَيَّ بِقَوْلٍ قُلْتُهُ بَعْدَ أَنِ اصْطَفَانِي وَهَدَانِي، فَأَمَاتَنِي مِائَةَ سَنَةٍ ثُمَّ بَعَثَنِي لِتَزْدَادُوا بِذَلِكَ يَقِيناً، إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَهَاهُوَ هَذَا حِمَارِي وَطَعَامِي وَشَرَابِي الَّذِي خَرَجْتُ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ أَعَادَهُ اللهُ تَعَالَى كَمَا كَانَ، فَعِنْدَهَا أَيْقَنُوا، فَأَعَاشَهُ اللهُ بَيْنَهُمْ خَمْساً وَعِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ قَبَضَهُ اللهُ وَأَخَاهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.


[١] سورة البقرة، الآية: ٢٥٩.