الإمام الباقر عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٩ - الفصل الثَّاني الإِمَامُ وَعَصْرُهُ

إِجْبَارَنَا، وَلَكِنْ قَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنَّا يَكُونُ عِوَضَنَا عِنْدَهُ وَلِسَانَنَا لَدَيْهِ، فَقَوْلُهُ قَوْلُنَا وَرَأْيُهُ رَأْيُنَا. فَأَوْفَدَ بِهِ الْعَامِلُ إِلَيْهِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ سَلَّمَ وَجَلَسَ فَقَالَ لَهُ: أَخْلِ لِيَ المَجْلِسَ، فَقَالَ لَهُ: وَلِمَ ذَلِكَ وَأَنْتَ لَا تَخْلُو أَنْ تَقُولَ حَقًّا فَيُصَدِّقُوكَ أَوْ تَقُولَ بَاطِلًا فَيُكَذِّبُوكَ؟ فَقَالَ لَهُ: لَيْسَ مِنْ أَجْلِي أُرِيدُ خُلُوَّ المَجْلِسِ وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِكَ؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَدُورَ بَيْنَنَا كَلَامٌ تَكْرَهُ سَمَاعَهُ.

فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ أَهْلِ المَجْلِسِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: قُلْ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ أَيْنَ صَارَ إِلَيْكَ؟ فَسَكَتَ طَوِيلًا، فَقَالَ لَهُ: أَلَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: وَلِمَ؟ فَقَالَ لَهُ: إِنْ قُلْتُ بِنَصٍّ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ كَانَ كَذِباً، وَإِنْ قُلْتُ: بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ؛ قُلْتَ: فَنَحْنُ أَهْلُ بِلَادِ المَشْرِقِ وَلَمْ نَعْلَمْ بِذَلِكَ وَلَمْ نُجْمِعْ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْتُ: بِالْمِيرَاثِ مِنْ آبَائِي؛ قُلْتَ: بَنُو أَبِيكَ كَثِيرٌ فَلِمَ تَفَرَّدْتَ أَنْتَ بِهِ دُونَهُمْ. فَقَالَ لَهُ: الْحَمْدُ للهِ عَلَى اعْتِرَافِكَ عَلَى نَفْسِكَ بِالْحَقِّ لِغَيْرِكَ، أَفَأَرْجِعُ إِلَى بِلَادِي؟ فَقَالَ: لَا، فَوَاللهِ إِنَّكَ لَوَاعِظٌ قَطُّ، فَقَالَ لَهُ: فَقُلْ مَا عِنْدَكَ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُ: رَأَيْتُ أَنَّ مَنْ تَقَدَّمَنِي ظَلَمَ وَغَشَمَ وَجَارَ وَاسْتَأْثَرَ بِفَيْءِ المُسْلِمِينَ وَعَلِمْتُ مِنْ نَفْسِي أَنِّي لَا أَسْتَحِلُّ ذَلِكَ وَأَنَّ المُؤْمِنِينَ لَا شَيْءَ يَكُونُ أَنْقَصَ وَأَخَفَّ عَلَيْهِمْ فَوَلِيتُ، فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي لَوْ لَمْ تَلِ هَذَا الْأَمْرَ وَوَلِيَهُ غَيْرُكَ وَفَعَلَ مَا فَعَلَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ أَكَانَ يَلْزَمُكَ مِنْ إِثْمِهِ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ لَهُ: فَأَرَاكَ قَدْ شَرَيْتَ رَاحَةَ غَيْرِكَ بِتَعَبِكَ وَسَلَامَتَهُ بِخَطَرِكَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ لَوَاعِظٌ قَطُّ، فَقَامَ لِيَخْرُجَ ثُمَّ قَالَ لَهُ: وَاللهِ لَقَدْ هَلَكَ أَوَّلُنَا بِأَوَّلِكُمْ وَأَوْسَطُنَا بِأَوْسَطِكُمْ وَسَيَهْلِكُ آخِرُنَا بِآخِرِكُمْ، وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلَيْكُمْ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيل».

وموقف الإمام من عمر بن عبد العزيز كان انتهاز الفرصة المؤاتية لتبليغ الرسالة ونصيحة الولاة، ويصحح ما يمكن تصحيحه من أوضاع الأمة دون الاعتراف بشرعية النظام بالجملة، وفيما يلي نقرأ حديثاً يصف