الإمام الباقر عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٧ - الفصل الثَّاني الإِمَامُ وَعَصْرُهُ
مِنَ الْعِلْمِ»، فَفَتَحَ كُلُّ بَابٍ أَلْفَ بَابٍ خَصَّهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه واله مِنْ مَكْنُونِ سِرِّهِ بِمَا يَخُصُّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَكْرَمَ الخَلْقِ عَلَيْهِ، فَكَمَا خَصَّ اللهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه واله خَصَّ نَبِيُّهُ صلى الله عليه واله أَخَاهُ عَلِيًّا مِنْ مَكْنُونِ سِرِّهِ بِمَا لَمْ يَخُصَّ بِهِ أَحَداً مِنْ قَوْمِه، حَتَّى صَارَ إِلَيْنَا فَتَوَارَثْنَا مِنْ دُونِ أَهْلِنَا.
فَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ: إِنَّ عَلِيًّا كَانَ يَدَّعِي عِلْمَ الْغَيْبِ وَاللهُ لَمْ يُطْلِعْ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً، فَمِنْ أَيْنَ ادَّعَى ذَلِكَ؟
فَقَالَ أَبِي: إِنَّ اللهَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه واله كِتَاباً بَيَّنَ فِيهِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [١]، وَفِي قَوْلِهِ: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [٢]،
وَأَوْحَى اللهُ إِلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه واله أَلَّا يَبْقَى فِي غَيْبِهِ وَسِرِّهِ وَمَكْنُونِ عِلْمِهِ شَيْئاً إِلَّا يُنَاجِي بِهِ عَلِيًّا، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَلِّفَ الْقُرْآنَ مِنْ بَعْدِهِ وَيَتَوَلَّى غُسْلَهُ وَتَكْفِينَهُ وَتَحْنِيطَهُ مِنْ دُونِ قَوْمِهِ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «حَرَامٌ عَلَى أَصْحَابِي وَأَهْلِي أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى عَوْرَتِي غَيْرَ أَخِي عَلِيٍّ فَإِنَّهُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ لَهُ مَا لِي وَعَلَيْهِ مَا عَلَيَّ وَهُوَقَاضِي دَيْنِي وَمُنْجِزُ وَعْدِي»، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «عَلِيُّبْنُ أَبِي طَالِبٍ يُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ». وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَحَدٍ تَأْوِيلُ الْقُرْآنِ بِكَمَالِهِ وَتَمَامِهِ إِلَّا عِنْدَ عَلِيٍّ عليه السلام وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه واله لِأَصْحَابِهِ:
«أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ»، أَيْ هُوَقَاضِيكُمْ، وَقَالَ عُمَرُبْنُ الخَطَّابِ: «لَوْ لَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرَ» يَشْهَدُ لَهُ عُمَرُ وَيَجْحَدُهُ غَيْرُهُ.
فَأَطْرَقَ هِشَامٌ طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: سَلْ حَاجَتَكَ.
فَقَالَ: خَلَّفْتُ عِيَالِي وَأَهْلِي مُسْتَوْحِشِينَ لِخُرُوجِي.
[١] سورة النحل، الآية: ٨٩.
[٢] سورة الأنعام، الآية: ٣٨.