الإمام الباقر عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٦ - الفصل الثَّاني الإِمَامُ وَعَصْرُهُ

لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً [١]،

وَالْأَرْضُ لَا تَخْلُو مِمَّنْ يُكْمِلُ هَذِهِ الْأُمُورَ الَّتِي يَقْصُرُ غَيْرُنَا عَنْهَا.

قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ أَبِي انْقَلَبَتْ عَيْنُهُ الْيُمْنَى فَاحْوَلَّتْ وَاحْمَرَّ وَجْهُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَةَ غَضَبِهِ إِذَا غَضِبَ، ثُمَّ أَطْرَقَ هُنَيْئَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ.

فَقَالَ لِأَبِي: أَلَسْنَا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ نَسَبُنَا وَنَسَبُكُمْ وَاحِدٌ؟

فَقَالَ أَبِي: نَحْنُ كَذَلِكَ وَلَكِنَّ اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ اخْتَصَّنَا مِنْ مَكْنُونِ سِرِّهِ وَخَالِصِ عِلْمِهِ بِمَا لَمْ يَخُصَّ أَحَداً بِهِ غَيْرَنَا.

فَقَالَ: أَلَيْسَ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَعَثَ مُحَمَّداً صلى الله عليه واله مِنْ شَجَرَةِ عَبْدِمَنَافٍ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً أَبْيَضِهَا وَأَسْوَدِهَا وَأَحْمَرِهَا، مِنْ أَيْنَ وَرِثْتُمْ مَا لَيْسَ لِغَيْرِكُمْ؟ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه واله مَبْعُوثٌ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً وَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:

وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ [٢]

إِلَى آخِرِ الْآيَة. فَمِنْ أَيْنَ وَرِثْتُمْ هَذَا الْعِلْمَ وَلَيْسَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ نَبِيٌّ وَلَا أَنْتُمْ أَنْبِيَاءُ؟

فَقَالَ: مِنْ قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّه صلى الله عليه واله:

لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [٣]،

الَّذِي لَمْ يُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَهُ لِغَيْرِنَا أَمَرَهُ اللهُ أَنْ يَخُصَّنَا بِهِ مِنْ دُونِ غَيْرِنَا، فَلِذَلِكَ كَانَ نَاجَى أَخَاهُ عَلِيًّا مِنْ دُونِ أَصْحَابِهِ فَأَنْزَلَ اللهُ بِذَلِكَ قُرْآناً فِي قَوْلِهِ:

وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ [٤]

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه واله لِأَصْحَابِهِ: «سَأَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ يَا عَلِيُّ». فَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه واله أَلْفَ بَابٍ


[١] سورة المائدة، الآية: ٣.

[٢] سورة آل عمران، الآية: ١٨٠.

[٣] سورة القيامة، الآية: ١٦.

[٤] سورة الحاقة، الآية: ١٢.