بوارق القهر في تفسير سورة الدّهر - الشريف الكاشاني، حبيب الله - الصفحة ١٤٨ - بوارق
لم يحصل لها ملكة الاتّصال بمادّيّها ، ولم تقرّ بالمقاصد الكلّيّة ، فيحصل لها بسبب ذلك العذاب الأليم ، فلا جرم كان ذلك شرّا مستطيرا عامّا في حقّ الأكثر.
أقول : لقد ارتكب التجوّز حيث حمل العامّ على المبتلى به الأكثر مع أنّ حقيقة الشرّ العام أن لا يشذّ منه أحد لانتشاره ، يقال : عمّت البليّة ؛ إذا لم ينج منها أحد.
ولا يخفى أنّ الكاملين لاستكمالهم ووصولهم إلى المقامات الّتي قرّرت لهم في أبدانهم العنصريّة لا يبالون من الموت أصلا ، بل نفوسهم مشتاقة إليه ، لأنّهم يرون البدن العنصريّ بعد ذلك حجابا بينهم وبين حقائق ملكاتهم الّتي حصّلوها بالرياضات والمجاهدات ، فلا يزالون يتمنّون الموت لعدم علاقتهم بالدنيا ، فإنّ ذلك من علامة الكامل الراغب عن غير الحقّ ؛ كما قال الله تعالى : (قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) ... [١] إلى آخره.
أي قل لهؤلاء المدّعين لمقام الولاية والمحبّة الخالصة والفوز بمقام الكمال والاستكمال تمنّوا الموت والنجاة عن ذلك البدن العنصريّ ، فإنّه حجاب منيع عن الفوز بالحقائق المعدّة لأولياء الله إن كنتم صادقين في تلك الدعوى ؛ إذ الدعوى لا تسمع إلّا بعد إقامة البيّنة ، وبيّنة مقام المحبّة الإعراض
[١]البقرة : ٩٤ ـ ٩٦.