إيقاظ النائمين - الملا صدرا - الصفحة ٣٧
و قد علمت أنه ليس بشيء مباين للمقابل و لا بالإمكان البحت و هو ظاهر و قد اختلف الحكماء في أن إدراك النفس الإنسانية حقائق الأشياء من جهة اتصالها بالمبدإ الفياض أ هو على سبيل الرشح أو على نهج العكس أي على سبيل إفاضة صور الحقائق منه عليها أو على نهج مشاهدها في ذات المبدإ و لكل من المذهبين وجوه و دلائل مذكورة فى الكتب و عند بعض الفقراء لا هذا و لا ذاك بل بان سبب الاتصال التام النفس بالمبدإ لما كان فناؤها عن ذاتها و اندكاك جبل إنيتها و بقاؤها بالحق تعالى و استغراقها فيه فيرى الأشياء كما هي بنور ربه لكن ليس ما يراه من الحقائق غير ما وقعت في الأعيان و إلا لزم التكرار فى التجلي و هو ما نفاه العرفاء و الحكماء الرواقيون القائلون بأن وجود الأشياء في الخارج بعينه نحو معلوميتها للحق من الحق.
و أن عالمية الحق بحقائق الأشياء هي بعينها فيضانها عنه بإشراق نوره و لا أن ما يراه السالك بنور ربه حين فنائه عن غيره و بقائه به أشباح الأشياء و مثالاتها دون وجوداتها الخارجية.
فإن إدراك شبح الشيء الخارجي ليس بالحقيقة إدراك ذلك الشيء[١٠٩] بعينه فكذلك ما أدركه العارف المكاشف من صور الحقائق بواسطة اتصاله بعالم القدس يكون ما هي عليها في الخارج بلا غلط و تزويق و خبط و تفريق إلا أن هاهنا دقيقة أخرى هي أنك قد علمت أن كلا من حقيقة الوجود و الماهية مرآة لظهور الآخر و الناقص المحجوب يرى الحق في مرآة الأشياء و يعتقد على حسب ما يراه فيعرفه على صوره منعقدة فإذا تجلى الحق له يوم القيامة في غير الصورة التي يعتقده إياها ينكره و يتعوذ منه و من هاهنا ينبعث[١١٠] اختلاف العقائد بين الناس لاختلاف ما يرى الحق فيها من الأشياء و إليه الإشارة في قوله ص: أنا عند ظن عبدي بي[١١١] فيقبل كل أحد منه ما يليق بحاله و يناسبه من التجليات الإلهية و ينكر ما لا يعطيه نشأته و السالك الواصل الواقف الفاني يشاهد الحق مجردا عن نسبة الخلق إليه فيحجب ضيق فنائه و قصور ذاته عن الحق لضيق الفاني عن كل شيء فكما كان قبل الفناء محجوبا بالخلق[١١٢] عن الحق لضيق وعائه الوجودي فهو في ثاني الحال[١١٣] أيضا ذا نص عن مراتب الإلهية و تجلياته الذاتية و الأسمائية فإذا رجع إلى التفصيل مستمدا من الحق يشاهد[١١٤] الحق على وجه أسمائه و صفاته فيرى الخلق بالحق فيسير في أرض الحقائق التي أشرقت بنور ربها فهي هذا المقام لما كان العلم بالأشياء من جهة العلم بمبدإ الأشياء و مظهر وجودها و مظهر أعيانها الثابتة فيصدق حينئذ أنه يرى الأشياء كما هي في مرآة وجهه الكريم الذي له غيب السماوات و الأرض[١١٥] لكن مرآة ذاته ليس كسائر المرائي من ماهيات الممكنات و القوى التي مظاهرها في عالم المثال و القوة الخيالية الجزئية التي هي مظهر
لا معلوم و لا مجهول و لا منفى و لا مثبت. كما يدرك الانسان صورته فى المرآة: يعلم قطعا، أنه ادرك صورته بوجه، و يعلم قطعا، انه ما ادرك صورته بوجه. لما يرى فيها من الدقة اذا كان جرم المرآة صغيرا، و يعلم ان صورته اكبر من التى راى بما لا يتقارب.
و اذا كان جرمالمرآة كبيرا، فيرى صورته فى غايةالكبر، و يقطع ان صورته اصغر مما راى. و لا يقدر ان ينكرانه راى صورته. و يعلم انه ليس فى المراة صورته، و لا هى بينه و بين المرآة، و لا هو انعكاس شعاع البصر الى الصورة المرئية فيها من خارج، سواء كانت صورته او غيرها. اذ لو كان كذالك لادرك الصورة على قدرها و ما هى عليه. و فى رؤيتها فى السيف، من الطول او العرض، يتبين لك ما ذكرنا. مع علمه انه راى صورته بلا شك فليس بصادق و لا كاذب فى قوله: «انه راى صورته، ما راى صورته.» فما تلك الصورة المرئية؟
و اين محلها؟ و ما شأنها؟ فهى منفية، ثابته، موجودة معدومة، معلومة، مجهولة، اظهر الله سبحانه، هذه الحقيقة لعبده، ضرب مثال ليعلم و يتحقق انه اذا عجز و حارفى درك حقيقة هذا و هو من العالم و لم يحصل عنده علم بحقيقته، فهو بخالقها اعجز و اجهل و اشد حيرة.
و نبهه بذالك، ان تجليات الحق له ارق و الطف معنى من هذا الذى قد حارت العقول فيه و عجزت عن ادراك حقيقته، الى ان بلغ عجزها ان تقول: هل هذا ماهية او لا ماهيتة له؟
فانها لا تلحقه بالعدم المحض. و قد ادرك البصر شيئا ما، و لا بالوجود المحض، و قد علمت انه ماثم شىء، و لا بالامكان المحض.
[١٠٩] نسخه ا: ليس بالحقيقة ادراك الشىء بعينه.
[١١٠] نسخه م: بيعت.
[١١١] نسخه ا: انا عند ظن عبدى المؤمن لى.
[١١٢] فى النسختين: بالحق!.
[١١٣] نسخه م: فهو ثانى الحال.
[١١٤] نسخه ا: و شاهد.
[١١٥] سورة الكهف ١٨، آية ٢٦: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ