نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٣٧٥ - الفصل الثامن عشر في الخير والشرّ ودخول الشرّ في القضاء الإلهي
واسطة. وعلّة متوسطة لما دونها من المثال ، ومرتبة المثال معلولة للعقل وعلّة لمرتبة المادّة والمادّيّات ، وقد تقدّمت إلى ذلك إشارة [١] وسيجيء توضيحه [٢].
فمرتبة الوجود العقليّ أعلى مراتب الوجود الإمكانيّ وأقربها من الواجب (تعالى) والنوع العقليّ منحصر في فرد ، فالوجود العقليّ بما له من النظام ظلّ للنظام الربّانيّ الذي في العالم الربوبيّ الذي فيه كلُّ جمال وكمال.
فالنظام العقليّ أحْسَنُ نظام ممكن وأتْقَنه ، ثمّ النظام المثاليّ الذي هو ظلّ للنظام العقليّ ، ثمّ النظام المادّيّ الذي هو ظلّ للمثال. فالنظام العالميّ العامّ أحْسنُ نظام ممكن [٣] وأتْقَنُهُ [٤].
الفصل الثامن عشر
في الخير والشرّ ودخول الشرّ في القضاء الإلهي
الخير ما يطلبه ويقصده ويحبّه كلّ شيء ويتوجّه إليه كلّ شيء بطَبْعه ، وإذا تردّد الأمر بين أشياء فالمختار خيرها؛ فلا يكون إلاّ كمالا وجوديّاً يتوقّف عليه وجود الشيء كالعلّة بالنسبة إلى معلولها ، أو كمالا أوّلا هو وجود الشيء بنفسه ، أو كمالا ثانياً يستكمل الشيء به ويزول به عنه نقص. والشرّ يقابله ، فهو عدم ذات أو عدم كمال ذات.
والدليل على أنّ الشرّ عدم ذات أو عدم كمال ذات أنّ الشرّ لو كان أمراً وجوديّاً لكان إمّا شرّاً لنفسه أو شرّاً لغيره ، والأوّل محال ، إذ لو اقتضى الشيء عدم نفسه لم يوجد من رأس ، والشيء لا يقتضي عدم نفسه ولا عدم شيء من كمالاته الثانية ، لما بينه وبينها من الرابطة الوجوديّة ، والعناية الإلهيّة أيضاً توجب إيصالكلّ شيء إلى كماله؛ والثاني أيضاً محال ، لأنّ كون الشرّ ـ والمفروض أنّه
[١] راجع نفس المصدر السابق.
[٢] في الفصل التاسع عشر من هذه المرحلة.
[٣] إشارةٌ إلى قوله تعالى : (الّذي أحسَنَ كُلَّ شَيء خَلْقَهُ) السجدة : ٧.
[٤] إشارة إلى قوله تعالى : (صُنْعُ الله الَّذي أتْقَنَ كُلَّ شيء) النمل : ٨٨.