نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢٤٢ - الفصل الثالث عشر في نفي الاتّفاق وهو انتفاء الرابطة بين الفاعل والغاية
مؤلَّفة من أجرام صِغار صِلَبَه منبثّة في خلاء غير متناه ، وهي متشاكلة الطبائع مختلفة الأشكال دائمة الحركة ، فاتّفق أن تصادفت منها جملة اجتمعت على هيأة خاصّة ، فكان هذا العالم ، ولكنّه زعم أنّ كينونة الحيوان والنبات ليس باتّفاق.
ونُسِبَ إلى أنباذقلس [١] أنّ تكوُّنَ الأجرام الاسطقسيّة بالاتّفاق ، فما اتّفق منها أن اجتمعت على نحو صالح للبقاء والنسل بقى ، وما اتّفق أن لم يكن كذلك لم يبقَ وتلاشى.
وقد احتجّ على ذلك بعدّة حُجَج [٢].
الحجّة الاُولى : أنّ الطبيعة لا رويّةَ لها ، فكيف تفعل فِعْلَها لأجل غاية؟
واُجيب عنها [٣] : بأنّ الرويّة لا تجعل الفعلَ ذا غاية ، وإنّما تميّز الفعلَ من غيره وتعيَّنه ، ثمّ الغاية تترتّب على الفعل لذاتها لا بجعل جاعل ، فاختلاف الدواعي والصوارف هو المحوج لإعمال الرويّة المعيّنة ، ولولا ذلك لم يحتج إليها ، كما أنّ الأفعال الصادرة عن الملكات كذلك ، فالمتكلّم بكلام يأتي بالحرف بعد الحرف على هيئاتها المختلفة من غير رويّة يتروّى بها ، ولو تروّى لتبلَّد وانقطع عن الكلام.
وكذا أرباب الصناعات في صناعاتهم لو تروّى في ضمن العمل واحد منهم لتبلَّدَ وانقطع.
الحجّة الثانية : أنّ في نظام الطبيعة أنواعاً من الفساد والموت ، وأقساماً من الشرّ والمساءة في نظام لا يتغيّر عن أسباب لا تتخلّف ، وهي غير مقصودة للطبيعة ، بل لضرورة المادّة ، فلنحكم أنّ أنواع الخير والمنافع المترتّبة على فعل الطبيعة أيضاً على هذا النمط من غير قصد من الطبيعة ولا داع يدعوها إلى ذلك.
واُجيب عنها [٤] : بأنّ ما كان من هذه الشرور من قبيل عدم بلوغ الفواعل
[١] قد نَسب إليه الشيخ الرئيس في الفصل الرابع عشر من المقالة الاُولى من الفن الاُوّل من طبيعيات الشفاء.
[٢] وتعرّض لها الشيخ الرئيس في الفصل الرابع عشر من المقالة الاُولى من طبيعيات الشفاء.
[٣] والمجيب صدر المتألّهين في الأسفار ج ٢ ص ٢٥٧ ، وشرح الهداية الأثيريّة ص ٢٤٢.
[٤] والمجيب أيضاً صدر المتألّهين في الأسفار ج ٢ ص ٢٥٧ ـ ٢٥٨ ، وشرح الهداية الأثيريّة ص ٢٤٣.