نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢٤ - الفصل الثالث في أنّ الوجود حقيقة مشكّكة
إنسان وذاك فرس وذلك شجر ونحو ذلك ، وتارةً بأنّ هذا بالفعل وذاك بالقوّة وهذا واحد وذاك كثير وهذا حادث وذاك قديم وهذا ممكن وذاك واجب وهكذا.
وقد ثبت بما أوردناه في الفصل السابق [١] أنّ الكثرة من الجهة الأُولى ـ وهي الكثرة الماهويّة ـ موجودةٌ في الخارج بعَرْضِ الوجود ، وأنّ الوجود متّصفٌ بها بعَرْضِ الماهيّة ، لمكان أصالة الوجود وإعتباريّة الماهيّة.
وأمّا الكثرة من الجهة الثانية فهي التي تعرض الوجود من جهة الإنقسامات الطارئة عليه نفسَه ، كإنقسامه إلى الواجب والممكن وإلى الواحد والكثير وإلى ما بالفعل وما بالقوّة ونحو ذلك ، وقد تقدّم في الفصل السابق [٢] أنّ الوجود بسيط وأنّه لا غير له.
ويستنتج من ذلك أنّ هذه الكثرة مقوّمةٌ للوجود ـ بمعنى أنّها فيه غير خارجة منه ـ ، وإلاّ كانت جزءاً منه ، ولا جزءَ للوجود ، أو حقيقةً خارجةً منه ولا خارجَ من الوجود.
فللوجود كثرةٌ في نفسِهِ ، فهل هناك جهةُ وحدة ترجع إليها هذه الكثرة من غير أن تبطل بالرجوع ، فتكون حقيقةُ الوجود كثيرةً في عين أنّها واحدةٌ ، وواحدةً في عين أنّها كثيرةٌ؛ وبتعبير آخر : حقيقةً مشكّكةً ذاتَ مراتب مختلفة يعود ما به الإمتياز في كلّ مرتبة إلى ما به الإشتراك ـ كما نُسب إلى الفهلويّين [٣] ـ ، أو لا جهةَ وحدة فيها ، فيعود الوجود حقائقَ متباينةً بتمام الذات ، يتميّز كلّ منها من غيره بتمام ذاته البسيطة لا بالجزء ولا بأمر خارجيٍّ ـ كما نُسب إلى المشّائين [٤] ـ؟
الحقّ أنّها حقيقةٌ واحدةٌ في عين أنّها كثيرةٌ [٥] ، لأنّا ننتزع من جميع مراتبها
[١] أي الفصل الثاني من هذه المرحلة.
[٢] في الفرع الثالث من الفروع المذكورة في الفصل الثاني.
[٣] و [٤] راجع شرح المنظومة ص ٢٢ ـ ٢٣ و ٤٣ ـ ٤٤ ، والأسفار ج ١ ص ٤٣٢ ـ ٤٣٣.
[٥] إنّ الأقوال في حقيقة الوجود ثمانية :
الأوّل : ما ذهب إليه الأشاعرة ، وهو أنّ الوجود مشترك لفظيُّ مطلقاً أي في جميع ما يطلق عليه لفظ الوجود من الواجب والممكن بأقسامه.