نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٨٠ - الفصل الأوّل في أنّ مفهوم الوحدة والكثرة بديهيٌّ غنيٌّ عن التعريف
فالحقّ أنّ تعريفَهما بما عُرِّفا به تعريفٌ لفظيٌّ يراد به التنبيه على معناهما وتمييزه من بين المعاني المخزونة عند النفس [١].
فالواحد هو : «الذي لا ينقسم من حيث إنّه لا ينقسم» ، والتقييد بالحيثيّة ليندرج فيه الواحد غير الحقيقيّ الذي ينقسم من بعض الوجوه [٢] ، والكثير هو : «الذي ينقسم من حيث إنّه ينقسم».
فقد تحصّل أنّ الموجود ينقسم إلى الواحد والكثير ، وهما معنيان متباينان تبايُنَ أحد القسمين للآخر.
تنبيهٌ :
قالوا : «إنّ الوحدةَ تُساوِق الوجود» [٣] ، فكلُّ موجود فهو واحدٌ من جهة أنّه موجودٌ ، حتّى أنّ الكثرة الموجودة ـ من حيث هي موجودة ـ كثرةٌ واحدةٌ ، كما يشهد بذلك عَرْض العدد لها والعدد مؤلَّف من آحاد ، يقال : كثرة واحدة وكثرتان وكثرات ثلاث ، وعشرة واحدة وعشرتان وعشرات ثلاث ، وهكذا.
وربّما يتوهّم [٤] أنّ انقسام الموجود إلى الواحد والكثير ينافي كون الواحد مساوقاً للموجود ، وذلك أنّ الكثير ـ من حيث هو كثيرٌ ـ موجودٌ لمكان الانقسام المذكور ، والكثير ـ من حيث هو كثير ـ ليس بواحد ، ينتج أنّ بعض الموجود ليس بواحد ، وهو يناقض قولهم : «كلٌّ موجود فهو واحدٌ».
[١] قال الشيخ الرئيس في الفصل الثالث من المقالة الثالثة من إلهيات الشفاء : «ثمّ يكون تعريفنا الكثرة بالوحدة تعريفاً عقليّاً ، وهنالك نأخذ الوحدة متصوّرةً بذاتها ومن أوائل التصوّر ، ويكون تعريفنا الوحدة بالكثرة تنبيهاً». وتبعه في ذلك الفخر الرازيّ في المباحث المشرقيّة ج ١ ص ٨٤ ، وصدر المتألّهين في الأسفار ج ٢ ص ٨٣.
[٢] هكذا قال صدرالمتألّهين في الأسفار ج ٢ ص ٨٣ ـ ٨٤ ، وشرحه للهداية الأثيريّة ص ٢٢٥.
[٣] راجع النجاة ص ١٩٨ ، وكشف المراد ص ٩٩ ، وشوارق الإلهام ص ١٦٩ ، وشرح المواقف ص ١٥١.
[٤] هذا التوهّم تعرّض له صدر المتألّهين في الأسفار ج ٢ ص ٩٠ ـ ٩١ ، وتعليقاته على شرح حكمة الإشراق ص ١٩٢ ـ ١٩٣.