الوصيّـة بحث في تحقيق ألفاظ حديث الثقلين - بدر الدين بن الطيّب كسوبة - الصفحة ١٩
ويُعتبر هذا الحديث من أهم النصوص التي مازال الخلاف حولها قائماً بين الشيعة وأهل السنّة والجماعة، وليس الغرض من هذا البحث أن نخوض في الخلاف بين الفريقين، ولكنّ الذي يعنينا، هو التحقيق فيما أوصى به النبيّ(صلى الله عليه وآله) أمّته مخبراً أنّها لن تضلّ بعده إنْ هي تمسّكت به، والضلال هنا بمعنى تفرّق الأمّة عن صراط الله المستقيم الذي ارتضاه لها، وإن شئتَ قلت: هو خروجها عن مقتضى قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}[١]، وإنْ شئتَ قلت: هو ما عناه الرسول(صلى الله عليه وآله) حين أخبر بانتقاض عرى الإسلام عروة عروة، كلّما انتقضت عروة تشبّث الناس بالتي تليها، فأولهنّ نقضاً الحكم، وآخرهنّ نقضاً الصلاة، فبانتقاض عروة الحكم، انفكّت الجماعة التي أمر الله بها، وأمر بها رسوله(صلى الله عليه وآله)، حتّى آل أمرها إلى ما نحن فيه اليوم، إلى فتن يصير فيها الحليم حيراناً، وأصبح الإسلام بيننا غريباً.
فهذا وعد نبويّ تلحُّ علينا الظروف التي نمرّ بها أنْ نرجع إليه، ونراجع أنفسنا أمامه، وقد تشتّت شمل أمّتنا وتفرّقت مذاهبها، وتولّى أمرها أولياء حزب الشيطان، يوادّون من حادّ الله، ويحكمون بغير ما أنزل، وتكالب أعداء الله علينا يغزون أرضنا، ويستبيحون دماءنا، بعد أنْ أفسدوا شبابنا، وأشغلونا بزخرف الدّنيا عن أمر ديننا، ودسوا عملاءهم بيننا، وأشعلوا العداوات في صفوفنا، وفشا فينا الفساد بكلّ
[١] آل عمران: آية١٠٣.