التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٧

يحتمل هذا أمرين: أحدهما أن يكون أراد " تاركي بخير تريده بي " كما تقول " ضربته لشر " و " أحسنت إليه لخير ". والآخر أن يكون مقلوبا أي إن كنت تاركا لي خيرا كقولك: تاركا شيئا خيارا جيدا فدع لي فلانا وفلانا.
لَعَمْرُكَ ما غَزَوْتُ دِيشَ بنَ غالِبٍ ... لِوِتْرٍ ولكن إنما كنت مُوزَعا
عين " ديش " ينبغي أن تكون واوا من قولهم " الدوش " في العين.. كذا رواه " دِيس " بكسر الدال. وقال الأصمعي: أظنه حيا من كنانة. وروى محمد بن الحسن " دَيش " وقال: هو بطن من العرب. وقال أحمد بن يحيي " دَيش " بفتح الدال أيضا وقال: هي قبيلة من الهُونِ وهم من القارة. كذلك حكياه في شعر هُذيل. وقد يجوز أن يكونَ هذا ذاك ال أن الدال عنها مفتوحة، وظاهر الأمر ان العين على هذا ياء، فأما ما قرأته على أبي بكر بن الحسن عن أحمد بن يحيي عن ابن الأعرابي من قوله " من الرجز ":
وان تكلمت جثت في فيش ... حتى تنقى كنقيق الديش
فانه أراد الديك فأبدل الكاف شينا ونحوه وقوله " من الطويل ":
فعيناش عيناها وجيدش جيدها ... سوى أن عظم الساق منش دقيقُ
والبدل كثير، منه ما أنشدنا أبو علي " من الرجز ":
يا ابن الزبير طالما عَصيكا ... وطالما عنّيتنا إليكا
لنضربن بسيفنا قفيكا
فقال: عصيك، أبال تاء " عصيت " كافا. ويحكى أن عبد بني الحساس كان إذا أنشد شعرا حسنا قال: " أحسنكَ والله "، يريد أحسنت والله. وهو كثير.
وفيها:
فما لُمْتُ نفسي من دِواءِ خُويلدٍ ... ولكن أخو العَلْداة ضاعَ وَضُيّعا
" دواء ": علاج. هذا عندي مصدر داويتة وراضيته رضاء. قرأت على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيي " من الخفيف ":
كم نرحب بما سخطت ولكن ... مرحباً بالرضاء منك وأهلا
فهذا مصدر " راضيته "، فأما الدواء فالاسم منه. وحكى الفراء عن أبى الجراح هو الدواء، وانشد " من الطويل ":
يقولون مخمور وهذا دواؤه ... علّ إذن مشيٌ إلى البيت واجب
وأما العلداة فكالأرْطاة وكالعلقاة ألفها للإلحاق لا للتأنيث.
وقال المعطل أيضا:
ألا أصْبَحَتْ ظمياءُ قد نَزَحت بها ... نوى خَيْتَعورٌ طَرْحُها وشتاتها
وفيها:
وقالَت تَعَلَّمْ أنَّ ما بين شابةٍ ... وبين دُفاقٍ رَوْحَة وغداتُها
ينبغي أن يكون عين " شابة " واوا حملا على الأكثر من لفظ الثوب، وقد يجوز أن يكون من لفظ " الشيب " وفيها:
فأبنا لنا ريحُ الكِلاء وذِكرُهُ ... وآوا عليهم فَلُّها وشَماتُها
قال " الريح " الدَولة. يجوز أن يكون " الكلاء " مصدر كالاتة أي نحن نتكالأ وينصر بعضنا بعضا لان كلمتنا واحدة فيكون كقوله " من الرجز ":
إنّ نِزاراً أصبحت نزارا ... دعوة أبرار دَعوا أبرارا
ويجوز أن يكون أراد الكلآءة أي الحفظ فحذف الهاء. والأول أقوى.
(٥) وهذا شعر ربيعة بن جَحْدَر " من الطويل ":
أَنّى تَسَدَّى طيفُ أم مسافعٍ ... وقد نام يا ابن القوم من هو ناعِسُ
لام " تسدّى " ياء لنه تفعّل من سدى الثوب، وهو الياء. يجوز إمالته، وقد قالوا أيضا: سدى إليه يسدي سديا، في معنى أسدى إليه، والمعنيان منضمان، ألا ترى أنهم يصفون السخي بانبساط يده، واللئيم بانقباضها. والسدى ما انبسط من غزل الثوب، ويجوز أن يكون " تسدى " تفعل من السدو وهو بسط يدي البعير في سيره وهذا من الواو.
فيها:
وذي ابل فَجَّعته بخيارها ... فأصبح منها وهوَ أسوانُ يائس
قال: ويروى أسيان. من قال " أسوان " فأسى يأسى عنده كشقي يشقى ومن قال أسيان فأسى يأسى كبقى وينبغي أن يكون " أسوان " من لفظ الأسوة ومعناها، إلا أنه للسلب لا للإيجاب كما تقدم في أول كتابنا هذا، فيكون من باب: أشكيت الرجل أي زلت له عما يشكوه، وأعجمت الكتاب أي أزلت استعجامه، فكذلك معنى أسوان أي قد زال عنه التأسي بغيره فأسى لذلك، ولو تذكر مصائب غيره لخف عليه حزنه. ويؤكد الياء في الكلمة إمالة الأسى. هذا هو باب الاعتبار وأن كان سيبويه قد حكى الأمالة في العشا والمكا والكيا، فإن ذلك شاذ، والعمل على غيره.
وقال رجل من هذيل: من أبيات " من الرجز ":