التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٣٦
قتلتُ بهم بني ليثِ بن بكسرٍ ... بقتلي أهلِ ذي حزن وعقل
أبدل: قتلي من " هم " في " بهم " إلا أنه أعاد العامل وهو حرف الجر، ومنه قول الله سبحانه: (قال الملأُ الذين استكبروا من قومه للذين استُضْعِفوا لِمَنْ آمَنَ منهم) فأعاد اللام، وهذا مما يدلك على أن البدل ليس من جملة المبدل منه ولأجل ذلك جاز: يا أخانا زيدُ أقبِل، فاعرفه.
(٤٢) وقال غالب بن رزين شاعر من هذيل " من الطويل ":
فيا لوليعٍ لو هداك مُحَرَّبٌ ... إلى يومِهِ لِم يُمْسِ ظمآن جائعا
وهذا أيضا مما يدلك على أن: يا لبكر ويا لزيد إنما معناه: يا بكر ويا زيد، وليس كما يظن به أنَّ معناه: يا آلَ بكر، ألا تراه قال: لو هداك، ولم يقل: لو هداكم، فكأنه قال: " يا وليعة لو هداك ".
(٤٣) وقال محرِّف بن زبير " من الرجز ":
نحن منعناها من العباهِله ... من ضارخٍ من خلفنا ذي واسله
قال: ذي واسلة أي: ذي قرابة، هذا " فاعِلة " بمعنى: " فعلية " أي: وسيلة، وقد تعلم إن السين أخت الصاد، فالوسيلة قريبة من لفظ الوصيلة ومن معناها وهذا مما قدمت لك ذكره من تقارب الالفاظ لتقارب المعاني نحو: النضحِ والنضخ، والنفث والنفذ، والحظ والحثَ والحذ، وعليه قولهم: مَتّ ومدّ ومطّ، حتى إنهم قالوا في هذه الأحرف الثلاثة أن معناها واحد وانشدوا للعجاج " من الرجز "
شاطٍ يمطّ الرسن المحملجا
ولو شئت لقلت إن اكثر اللغة كذلك.
(٤٤) وقال أبو عمارة بن أبي طرفة
أنت تجيب دعوة المضوف
قال معناه: المُلْجأ المُضاف. وجه ذلك عندي أنه بنى اسم المفعول هنا من الفعل على حذف زيادته وهي الهمزة من " أضفته فهو مُضاف " كأقمته فهو مُقام وأدرته فهو مُدار، فُعِلَ هذا في اسم المفعول كما فُعِل في اسم الفاعل نحو: أبقل المكان فهو باقل وأورس فهو وارس وكقوله " من الرجز ":
يخرجن من أجواز ليلٍ غاض
أي: مُفْضٍ، وكقوله:
يكشف من جُماته ولوُ الدال ... عباءةً عبراءَ من أجنٍ طال
أي: المدلى، ونظيره ما جاء من اسم المفعول على حذف الزيادة قوله " من الطويل ":
إذا ما استحمت أرضه من سمائه ... جرى وهو مودوع وواعد مصدق
ولا يقال: ودعته وأودعته من الدّعة، ومثله من حذف زيادة المصدر قوله " من الخفيف ":
عمرك الله ساعةً حدثينا ... ودعينا من قول مَن يؤذينا
أي: تعميرك الله، وقولهم: جاء زيد وحده أي: أوحد نفسه بالمجيء إيحادا، وقول بعض بني أمية:
دَعْ عنك غلق الباب
أي: إغلاقه. وإذا كان كذلك فقد كان قياسه أن يقول:
أنت تجيب دعوة المضيف
لأنه من الياء لقولهم الضيف، إلا أنه قد جاء نحو هذا، أنشدوا " من الطويل "
ويأوي إلى زُغْبٍ مساكين دونهم ... فلاً لا تخطاه الرفاق مهوب
وقياسه " مهيب "، لأنه من الهيبة، وحكموا أيضا: " رجل مسور به " من السير و " طعام مكول " وهو من الكيل، وأصلها: مكيول وميسور، فحذفت عين " مفعول " وأقرت واوه، وهذا مما يؤكد قوله خلاف قول أبي الحسن، وكذلك قوله " مضوف ".
وفيها:
وكل سهم حشر مشوف
لك في " حشر " قولان. أن شئت قلت أنه أخرج حشراً على أصله، وأصله حَشِر، فأسكن تخفيفا، ويؤكد ذلك أن " فَعِلاً " في الصفات أكثر وأقيس من " فَعْل "، أما الكثرة فمن السماع، واما وجه القياس فلأن سكون العين هو الأصل، والاسم هو الأول فكثر " فَعْل " في الأسماء، وحركة العين زيادة وفرع، والصفات ثوان وفروع فكثر " فَعِل " في الصفات ليضم الفرع إلى الفرع كما ضم الأصل إلى الأصل، وأيضا فإن " فَعِلاً " بوزن الفعل نحو: علم وسلم، والصفة أشبه بالفعل و " فَعْل " مثال لا يوجد في الأفعال أبدا فلذلك كان في الصفة قليلا منفردا، وإن شت قلت أنه في الأصل " فَعل " ساكن العين إلا أنه اضطر إلى تحريكه وكسره فقال " حَشِر " كما انشده أو زيد:
علامَ قتل مسلم تعبدا ... مذ ستة وخَمِسون عددا
فكسر عين " خمسون " للحاجة إلى إقامة الوزن فكسر ولم يفتح على العرف نحو الخَفَف والحَشَك، له كأنه راجَعَ أصلا، ألا ترى أن " فَعْلاً " قد تجد اصله " فَعِلاً " نحو قولهم في: عَلِمَ، عَلْم، وفي فَخِذ، فَخْذ، فجرى في مراجعة الأصل نحواً من صرف ما لا ينصرف وقصر الممدود.
وفيها: