التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٥٤
وقد تقدم ذكر ما كسر من " فَعْل " على " فُعْل " نحو: سَقْف وسُقْف وحَشْر وحُشْر وكَثَ وكُثَ ووَرْد ووُرْد، ونظير قوله: " سمعت لها قصلاً " قول جرير " من الوافر ":
سمعت حمامةً طِربت بنجد ... فما هجتَ العشيَة يا حماما
أي: سمعت صوت حمامة، وعليه قول الله تعالى: " هل يسمعونكم إذ تدعون " أي: هل يسمعون دعاءكم، وينبغي أنْ يُنْشَدَ بضرب يُطاطي، بترك الهمزبين الطاءين، ألا تراه قد أبدل الثانية البتَة ضرورة فالأحسن أن يخفف الهمزة الأولى ليتشابه اللفظان، ولو حقق الأولى، وقد أبدل الثاني لكان في اللفظ من التنافر ما تراه، والشعر أحوج الكلام إلى تشابه أحواله وتناصر ألفاظه، ولذلك عندي ما قدّموا الأرداف والتأسيس، أمام مدّات الوصل ليتشاكلن.
وقال أبو صخر أيضا من قصيدة " من الوافر ":
بياض الرأس ما لم تأت أمراً ... يكون سواه أتوحل حلال
قال: أراد " حِلٍّ " فخفف هذا التخفيف أكثر ما يكون في القول في المقيدة نحو قوله:
ها إنّ ذا غضب مطر
وقوله " من الرمل ":
ما أقلت قدماي إنهم ... نعم الساعون في الأملا المبر
وقوله " من الرمل ":
أصحوت اليوم أن شاقتك هر ... ومن الحب جنون مستعر
وقلما يجيء في حشو البيت إلا أنه قد جاء، فمنه قوله أنشدناه أبو علي وقرأته أيضا عليه:
بكيّ بعينك واكفَ القَطْرِ ... أين الجواري العالي الذكر
يريد: الجواري، وأنشدنا أبو علي لعمران بن حطان " من البسيط ":
قد كنت عندك حولاً لا تروعني ... فيه روائع من أنس ولا جان
هكذا انشدناه معتقدا فيه التخفيف مع ما تراه من الإطلاق، وقد يجوز فيه عندي وجه آخر وهو أن يكون أبدل النون الثانية لاجتماع المثلين كقولهم: " أمليت الكتاب " في معنى أمللت من قوله سبحانه: " وليُمْلِلِ الذي عليه الحقُ "، وكما حكى أحمد بن يحيى من قولهم: " لا وربيك لا أفعل "، يريد: وربك وعلى هذا تأول أبو علي قوله:
وآليت لا أملاه حتى يُفارقا
قال: أراد: لا أمَلّه، فأبدل الثاني، ومنه قول الشاعر " من الخفيف ":
أنّ سلمى هي المنى لو تواتي ... حَبَّذا هي من خُلَّةٍ لو تخالي
أراد: تخالُّ، فإذا أمكن ذلك كان حَمْل بيت عمران على هذا الضرب من البدل أخلق من حمله على الحذف؛ لأن البدل على كل حال أحسن من الحذف، ومما حذف في الوصل قوله " من الكامل ":
أزهير أنْ يشب القذالُ فإنني ... رب هيضل لجب لففت بهيضل
فاذا جاز الحذف في الحرف على قلته فيه فهو في الاسم لكثرته فيه أولى، ووجه ذلك عندي إنه أجرى الوصل في الشعر مجرى الوقف على القافية فخفف، ونظير هذا عندي قوله:
يا ليتها قد خرجت من فمه ... حتى يعود الملك في أسطمه
أجرى الوصل مجرى الوقف فثقَّل مع الإطلاق نحو: الأضْخِمّا والعَيْهَلَ وكذلك قول الآخر، أنشده أبو زيد:
مَحْضٌ نجاري طيّبٌ عُنْصُرِّي
إلا أن هذا ومن فمه أغلظ من الأضخما والعَيْهَلّ وبعدما اخصبّا، وذلك انهما مضافان ولا سيما إلى مضمر، والوقف دونه لا يجوز، فإذا ساغت نية الوقف فيما هذه حاله كانت نيته فيما يمكن الوقف عليه أمثل.
وفيها:
وما مُتَرجِّزُ الآذيّ جَونٌ ... له حُبُكٌ يطم على الجبال
الأذى " فاعول " من الأذى، كما أن الآريّ " فاعول من أرى يأري، إذا انقبض واحتبس، وكما أن الماذيّ " فاعول " من مذى يمذي. وأما " ضاويّ " فيحتمل أمرين فيما رواه أبو علي، أحدهما: أن يكون " فاعولاً " من الضوى، والآخر: أن يكون " فاعليّاً " منه حذفت لامه على قولهم في ناجيةٍ: " ناجيّ "، وأما العارية ف " فَعَلِيّة " من قولهم: تعوروا العواريّ بينهم أي تداولوها ومن قوله:
مسح الأكف تعاوروا المنديلا
وأما الجاديّ ف " فاعول " من الجيّة وهي طريقة الدم، سمي بذلك لحمرته، كذا أرى أنا فيه، ولم أعلم أحدا من أصحابنا ذكره، وينبغي أن تكون لام " الجديّة " واوا، فقد دللت على صحة هذا فيما مضى، وأما " الباري " فأعجمي.
وفيها:
كفاني كُلَ أبيض خالديّ ... طويل الباع مُضْطلع الحمال
ينبغي أن يكون أراد الحمالة فحذف الهاء كما حذفها مالك بن جبار من قوله " من البسيط ":