التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٤٦

فأدِّ لها ما استودعتك مُوَفَّرا بأحسن ما كانت تُؤدى الودائعُ " بأحسن " في موضع نصب على المصدر، كأنه قال: فأدِّ لها ذلك أحسن ما تُؤدى الودائع، كقولك: قمت أحسن قيام، وجلست أحسن جلوس، فالباء على هذا زائدة.
وفيها:
إذا رمتُ يموما صَرْمَها لم يَزْل لها ... نصيحٌ يُصاديتي من القلب شافعُ
لام " يصاديني " عندي بالياء، وذلك أن معناه: يداريني، وكأنه يعارضه مرة منهنا ومرة منهنا من " الصدي " الذي يعارض الصوت ولام " الصدي " ياء لاستمراره الإمالة فيها، وقالوا: هو يصاديه ويداريه ويُداليه ويُداجيه ويفانيه، فلام " يصاديه " ياء كما مضى، وكذلك يداريه كأنه يختله بالرفق به فهو من قوله " من الطويل ":
فإن كنت لا أدري الظباء فاتني ... أدُسُّ لها تحت التراب الدواهيا
ومن هنا لم يجز عندنا أن نطلق على القديم سبحانه: أنه دار، كما يقال فيه عالم وذلك أن معنى " دريت الشيء " من معنى " دريت الصيد "، وذلك أن معنى " دريت به " أي: تأتيت لعلمه ومعرفته وتلفظت فيه كما تتأتّى للصيد فتختله وهذا معنى منزّه عنه عن القديم سبحانه، وأما " داليته " فمن الواو في قوله:
لا تقلواها وأدلواها دلوا ... أن مع اليوم أخاه غَدْوا
فمعنى " أدلواها " أي: أرفقها بها، ومعنى " داليه " رفقت به، وهذا واضح، كل شيء ظلمه قال " من الطويل ":
فما شبه كعب غير أغتم فاجر " أبى مذ دجا الإسلام لا يتحنف
وكذلك معنى " يداجيه " أي يساتره بالعداوة ولا يجاهره بها، وأما " يفانيه " فهو في معنى " فنيت " وذلك أنه يروم أن يُفنى رأي صاحبه وعزمته وبصيرته ليدهاه ويختله فهو من معنى " الفنا "، وليس في " فَنَيْتُ " ولا في الفناء ولا في يفنى دليل على أحد الحرفين، إلا أنني قد كنت قدمت أن معنى " فناء الدار " راجع إلى معنى: تنيت السيئ، وذلك أنها تفنى عند حدها وتثنى به عن امتدادها واستطالتها، والثاء وفق الهاء بالهمس أيضا لام، والياء أغلب على اللام من الواو، ويُوَنّس بالحلال شيئا أنهم قالوا: ثناء الدار، بالثاء في معنى فِناء.
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل ":
ألمّ خيال طارقٌ متأوِّب ... لأم حكيم بعدما نمتُ موصبُ
وفيها: وأهلي بواد من تهامة غائر بأسفل هضيمة أراك وتنضُبُ " تنضب " عندي من: نَضب ينضَبُ، إذا بعد لأنه من شجر البر لا الريف كما قيل: شَوْحَط فهذا " فَوْعَل " من شَحطَ يشحط كما أن ذاك " يفْعُلُ " من نَضَبَ يَنْضبُ، وأما الأراك ف " فَعال " من أرك بالمكان يأرك أُروكا أي أقام به، وذلك لانه شجر ثابت أصيل في مكانه، وليس بجميع الشجر تمكنه ثباته.
وفيها: ومندونها قاع البقيع فأسقفٌ فبطن العقيق فالخبيتُ فضعُنْبُبُ ويجب أن يكون عين " الفاع " واوا لقولهم في تكسيره: أقئوُع وأقواع، وكسروة أيضا على قيعة وقيعان، واما " عُنْبُب " ف، " فُعءلُل " تجعل النون اصلا لمقابلتها الاصول نحو باء " حُبْرُج "، وعين " بُعْثُط " فهي إذن كنون " صُنْتُع " وإن كان اشتقاقه من " عبَّ الماء يُعبُّ " لكثرة ماء هذا الوادي فهو " فُنْعُل ".
هجان فلا في اللون شام تثينه ... ولا مَهَق يغشى الغسيقات مُغربُ
قال: الغسيقات الشديدات الحمرة، عين " شام " وهي جمع شامة ياء لقولهم رَجل أشْيَمُ، وامرأة شيماء، حكى ذلك أبو زيد.
سراجُ الدُجى تغتلّ بالمسك طِفْلَة ... فلا هي مِتفال ولا اللون أكْهَبُ
قال: تغتل من الغالية تغلغلت وتغليت، أما تغليت فلا يدفع أن يكون من الغالية لاعتلال لاميها، وأما تغللت فليس من الغالية لصحة لامه، ولكنه من الغَلَل وهو الماء الجاري في أصول الشجر وهو من قولهم: انغلّ في موضع كذا، أي: دخل فيه، ومنه الغلالة من تحت الدرع لأنها غُلَّت تحته وعليه بقية الباب، وأما " الغالية " فلامها تحتمل الحرفين جميعا، أما الواو فلأنها تغلو قيمتها، وأما الياء فلأنها كأنها تغلي لحدة رائحتها.
دَميثة ما تحت الثياب عميمة ... هضيم الحثا بكْرُ المَجَسَّةِ ثَيِّبُ
عين " ثيب " واو لأنها من ثاب يثوب أي رجع كأنها رجعت عن حال إلى أخرى.
فكأن لها أُدّى وريقة ميعتي ... وليدا إلى أن رأسي اليوم أشيبُ