التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٤٥
تصغير عَلية هذه، وأصله عُليّية، فلما اجتمعت ثلاث ياءات وسطاهن مكسورة ثَقُلَتْ فحذفت الآخرة كما قالوا في تحقير أحوى: أُحَيّ، وفي تحقير سماء: سُميّة، وحكى أبو الحسن أن قوما ذهبوا في نحو: عطاء وعُطيّ، إلى إن المحذوفة من الثلاث هي الوسطى، قال: وهو وجه، أو كلاماً هذا نحوه، فهذا وجه في تكسير " عُلَيّة ". ووجه ثان. وهو أن يكون تحقير " علوة " فيكون كشكوة وشُكيّة؛ ف " عُلية " على هذا فُعَلية، وفي القول الأول " فُعيّة "، ومن رأى أن المحذوفة من الثلاث هي الوسطى فوزنها أيضا " فُعلية "، فأما في كيل التحقير من غير تحرير التصريف فوزنه " فُعَيلة " في جميع الأقوال، فإن قلت فقد قال في اللامية " من البسيط ":
ألمحةّ من سنا برق رأى بصري ... أم وجه عالية اختالت به الكِلَلُ
فلا يجوز أن يكون " عُليّة " تحقير " عالية "، إلا إن تحمله على تحقير الترخيم كقولك في فاطمة: فُطيمة، وكأنّ هذا أوجه من القولين الأولين؛ لأنه قد جاء بالتكبير مع التحقير في قصيدة واحدة، فحكم أحدهما على صاحبه.
وفيها:
قطعن مُلاّ قفراً سوى الرُمْد والمها ... وغير صدّى من آخر الليل صاخدِ
قال: صاخد صائح، صَخَد يَصْخَد، لام " مُلا " واو لأنه ما أتسع من الأرض وقالوا: الملوان: الليل والنهار، والملاوة من الدهر ما اتسع من الدهر، وقوله " وغير صدى " محمول على المعنى لأن قوله " قفرا سوى الرمد " في معنى غير الرمد فحمل المعطوف على المعنى كما قال أبو الحسن في قول الله سبحانه: " أو كالذي مَرَّ على قريةٍ "، قال: قيل إنه محمول على المعنى لأن معنى قوله " تعالى ": ألم تَرَ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربه "؛ أرأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مَرَّ على قرية، والحمل على المعنى كثير جدا في الإيجاب وضده، وقد ذكرنا صدرا منه وستراه.
وفيها:
ينوش بصلت الخد أفنان غيلة ... تدنت دواني عيصها المتقاودِ
عين " عيص " ياء كما ترى؛ لأنهم قد قالوا في تكسيره: أعياص، فأما قولهم: " اعتاصت الحاجةُ "، فمن العوصاء وهي الشدة، وذلك إنها إذا تعذرت اشتدت، وقد قيل فيها: العيصاء، فهذا من العيص كأنها نشبت فلمتنحلّ كما ينشب العيص بعضه في بعض، واجتمعوا كلهم على أمر عويص بالواو البتة، أنشدني بعض أصحابنا برواية لبعض جَرْم " من البسيط ":
وأُبْطِرُ الخصم ذا العوصاء حجَتُه ... حتى يلجلج بين العي والحصر
وضَمَت على رَقو أغن من التقا ... دميث الرُبا حُرٍّ فُضول المجاسد
قاوا: الرقواء الكثيب، شبه عجيزتها به، لام " النقا " من الرمل فيها قولان: الياء والواو، لقولهم: نَقَيان ونَقَوان.
بأطيبَ نَثْرا من سُليمى وغرّة ... إذا ما سقى كأس الردى كل راودِ
ذكرَّ فعل الكأس لأنه إنما يريد الردى نفسه، وهو مذكر ولا كأس في الحقيقة هناك، ونظيره كثير.
فما روضة بالحزم طيبة الثرى ... ولتها نجاء الدلو بعد الأباردِ
قالوا: الحزم أغلظ من الحزن، فهذا مما عرفتك من تقارب الألفاظ لتقارب المعاني، فكما أن الميم أقوى لفظا من النون فكذلك الحزم أغلظ من الحزن، ولهذا صرفوا " الحَزْنَ " فاستعملوه في الحزن لأنه عرض وهو دون الجوهر، ولم يستعملوه بالميم إلا في الغليظ من الأرض، ولام " النجاء " واو لأن واحده " نَجْوٌ " وقد جمعوه " نُجُوا، أنشد الرواة " من الوافر ":
أليس من البلاء وجيب قلبي ... وإيضاعي الهموم مع النُجُومِّ
وليس في كلامهم " فُعول " جمعا ولامه واو صحيحة إلا أحرف وهي هذا نَجْوٌ ونُجُوّ وحكى سيبويه: إنكم لتنظرون في نحو كثيرة جمع نحو، وحكى أبو زيد في الصدر: " بَهْوٌ وبُهُوٌ، وحكى ابن الأعرابي: أَبٌ وأُبُوّ، وابْنٌ وبُنُوٌ، وأنشد للقاني يمدح الكسائي " من الطويل ":
أبي الذمُّ أخلاق الكسائي وانتمي ... من المجد أخلاق البُوِّ السوابقِ
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل ":
هل القلب عن بعض الدجاجة نازع
فيها:
وإذْ لم يَصِحْ بالبين وبينها ... أساحمُ منها مُسْتَقِل وواقعُ
كَسَّرَ الصفةَ تكسير الاسم، يريد غربانا سُحْما أي سودا، وكأنه استعمله أيضا كما قالوا: الأحامرة جمع أحمر، وكما قالوا: الأساود والأداهم والأجارع.
وفيها: