التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٤٤
قال: " زغر " كثرة، وهذا مما كنت قدمت ذكره من مقاربة اللفظ لمقاربة المعنى، ألا ترى إلى قرب الخاء من الغين وقد قالوا: زخر الوادي، إذا كثر ماؤه، فمعنى الكثرة شامل لهما إن الخاء أرطب صوتا من الغين فكأن الماء خصّ بها لذلك، وإذا تفطنت لذلك وجدت فيه معاني لطاقاً غامضة فلا ترين إن في هذا المذهب جوراً وتعسفاً، فإن في هذه اللغة من اللطائف ما يجفو هذا في جنبه فقد مر بنا كثير منه وسيأتيك في هذا الكتاب طرف من نحوه.
وتنلك أظفاري ويبرِك مسحلي ... بَرْيَ الشَّيب من السِراء الذابل
ينبغي أن تكون لام " السراء " واوا وذلك لأنه الشجر الذي تعمل منه القسى، فإن شئت قلت لا يتخذ إلا من أسرى الخشب وأجوده، كما تقول من إكرامه، وإن شئت كان من سراة الشيء لأنه ينبت في سراة الجبل وهو أعلاه، وسراة من الواو لقوله " من الطويل ":
وأصبح موضوع الصقيع كأنه ... على سوات النيب قطن مندف
وفيها:
تجلو عن أوجه جنَّةٍ وكشوحها ... أو عن مها بلق بجوٍّ باقِلِ
ألف " مها " واو لأنه في الأصل البلَّور، ويقال البَلّور، ثم شُبّه النجوم بها وبقر الوحش أيضا لبياضهما، ويدل على إن ألف " مها " بدل من واو إنه من معنى الماء لبياض البلُورة وصفائها، وقد قالوا: موهتَ عليّ، إذا حَسَّنَ حديثه وجعله كأن عليه ماءً، وقالوا في تكسيره: أمواه، وتحقيره: مُويه، وقالوا: ماهت الرَكيّة تموه، وقالوا: تماه، وحكي أبو زيد ماهت تميه ميهاً. وظاهر هذا إنه من الياء لا من الواو، وينبغي أن يكون بدلاً للياء من الواو لضرب من التخفيف، وأصل هذا أن يكون ماه يميه من الواو " فَعِل يَفْعِل " كحسب يحسب في الصحيح كما قال الخليل ذلك في تاه يتيه، وطاح يطيح إنهما " فَعِل يفعِلُ " من الواو، فلما جرى في الكلام ماه يميه، أشبه لفظه لفظ باع يبيع، فقال في مصدره ميهاً اتباعاً للفظ وجنوحا إلى خفة الياء، ف " المها " إذنْ مقلوب، ومثاله " فَلَعْ " من الماء. وحكى صاحب الكتاب: مًهاة ومًها لماء الفحل، وهذا أيضا عنده مقلوب لأنه من الماء ماء الفحل نفسه، وقوله عن أوجه بوجوب التخفيف يدل على إن الشعر قد يبنى على أحد الأمرين: التخفيف البتة، والتحقيق البتة، وفي هذا شاهد لإجازة ما حظره الخليل وأجازه أبو الحسن من إن يجوز: أيسيء مع يسوء قافيتين في قصيدة، ألا ترى إنه إذا بنى البيت على تحقيق الهمزة كما بناها هذا الآخر على تخفيفها البتة، صحَّ الرويان فلم يختلفا، ونظير هذا مما بُني فيه الشعر على التخفيف البتة ما أنشدناه أبو علي رحمه الله لذي الرمة " من الطويل ":
من آل أبي موسى ترى الناس حوله ... كأنهم الكروان أبصرن بازيا
فقوله: منال وزنه " فَعول " فلو حققت فقلت: " من آل " لكان وزنه " مفعول " وهذا لا يجوز في الطويل، وهكذا رووه " من آل " بالتخفيف ومثله بيت الأعشى:
هؤلي ثم هؤلي كلاً أعطي ... ت نعالاً محذوةً بمثال
فقوله: " كل لنع طي " وزنه " فاعلاتن "، ولا بُدَّ فيه من تخفيف الهمزة، وقد تقصيت هذا الموضع في كتابي " المُعْرِب " وهو كتاب تفسير القوافي عن أبي الحسن. و " جنة " ينبغي أن يكون جمع جان، كُسّر " فاعل " على " فِعْلَة " كما كسر " فعيل " عليها في صبيّ وصبية وعليٍّ وعليه، وقد يكون مصدرا لقوله سبحانه: " أم به جِنّةٌ " أي: جنون. وقوله: " باقل " يريد " مبقل " يقال: أبقل فهو باقل، وأورس فهو وارس، وأغضى فهو غاض، وأدلى فهو دالٍ، وذلك فيما جاء على " أفْعَل " فهو فاعل، وقد قالوا: مُبقل، قال دُؤاد بن دًؤاد، وقد قال له أبوه: يا بني ما أعاشك بعدي؟ فقال:
أعاشني بعدك وادٍ مُبْقِلُ ... أكُلُ من حَوذانه وأنْسِل
وقال أبو صخر أيضا:
أرقت لطيف من علية عامدِ ... ونحن إلى أذَراء خُوضٍ هواجدِ
قال: أذراؤها ما أُستذري به أي استتر به من الريح، لامه واو؛ لأن واحده الذرا مقصور، وهو من لفظ " الذروة " ومعناها، وقوله " علية " هي من تأنيث " علي " جعلت علماً، فقد يجوز أن تكون من قول القطامي " من البسيط ":
أمْسَتْ عُلَيّةُ يرتاح الفؤاد لها ... وللرواسم فيما دونها عمل