التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٥٥
إِنّا بنو عمكم لا أن نباعلكم ... ولا نصالحكم إلا على ناحِ
قالوا: أراد ناحية، وقد تقدم ذكر نحو هذا.
وقال أبو صخر أيضا من قصيدة " من الطويل ":
وركبان أنضاء يَبُلُّ رحالهم ... ضريب عثانين من الثلج بارد
القوافي مجرورة، قال: ويروي: " من الليل ". ظاهر الأمر في " بارد " أن يكون صفة ل " عثانين "، وأن كان جمعا متناهيا، ألا ترى أنه قد شابه الواحد بأن جُمع فقيل:
هن يعلُكْن حدائداتها
قرأته على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى وأنشدنا أبو علي:
قد جرت الطير أيامنينا ... قالت وكنت رجلا فطينا:
هذا لعمر الله إسرائينا
وحكى أبو الحسن: " صواحبات يوسف " و " مواليات العرب "، فلما جُمعَ جَمْعَ الواحد جاز أن يوصف بلفظ الواحد، ووجه آخر: وهو أن يكون صفة " ضريب " إلا أنه ألحقه ياءي الإضافة توكيدا لمعنى الصفة كقول العجاج:
غُضْفٌ طواها الأمس كلاّبيّ
وقد تقدم القول عليه، وكذلك أراد " بارديّ " فلما وقف خفف وذكر البرد مع الثلج توكيدا.
وقال أبو صخر أيضا من قصيدة " من البسيط ":
جهم المحيا عبوس باسل شرس ... وَرْد قُصاقِصَة، رئبالة شكم
قال: الرئبال من الأسد كالقارح من الخيل التي تمت أسنانه، قال: هذا عن أبي حفص عمر بن بُكير، قال: وشكم غضوب، ينبغي أن يكون من " الشكيمة " وهي شدة الخلق ومنه شكمته إذا كافأته فكأنه يقابل أعداءه مكافئا لهم، فإن قلت فإن الشكْمَ هو المكافأة مرسلة لا يخص خيرا من شر فكيف أخلصتها هنا للشر؟ قيل: لا ينكر أن يكون الشيء في الأصل سائغا غير مقصور ثم يراد في بعض الأحوال المبالغة فيقتصر على أحد ما يقع عليه كقولنا للكعبة: بيت الله، ولعلم حلال الشريعة وحرامها: الفقه، وللثمين من تجارة: الجوهلا، ونحو ذلك، فكما اختص هذا للخير كذلك اختص " شكم " للشر، والمعنى الجامع هما إرادة المبالغة لا سيما وقد تقدم في أول البيت ما جذب إلى ذاك وحدا على قصره على ما يضاهيه.
وفيها:
شيبت بموهبة من رأس مرقبة ... جرداء مهيبة في حالق شمم
قال: موهبة غدير، هذا عندي مما شَذّ في تصريفه لأن العرب لا تكاد تبني " مَفْعَلاً " بفتح العين مما فاؤه واو إنما هو " مَفْعِل " بكسرها نحو: الموضع والموقع والموجِدة والمورِدة، إلا أنه قد جاء من هذا ما قدمت ذكره منه قولهم: مَوْضَع بفتح الضاد، قد حكيت كذلك عن الفراء وقالوا: مَوْجَل ومَوْحَل وموقَعَة الطائر، وقالوا: أكل الرطب مَوْرَدَةٌ والبطنة مَوْسَنَة، وقالوا: مَوْظَب ومَوْثَب، ولم يذهب فيه إلى لفظ " م ر ق "، قال: وأما مَوْألَة فمن اخذها من ذاك فهي من هذا الباب، ومن أخذها من " مَألْتَ " فهي " فوْعَلَة "، ومثل قوله مَهْيَبَة في تصحيح عينها قولهم: " هذا طعام مَطْيَبَة للنفس " و " كثرة الشرب مَبْوَلة " و " الفكاهة مَقْوَدَة إلى الأذى "، وقالوا في " المَثُوبة ": المَثْوَبَة، وفي " المشُورة ": المَشْوَرَة، وقالوا في العلم: مَرْيَم ومَدْيَن ومكْوَزَة، وكأنَّ الغدير سمى مَوْهَبَة؛ لأنه كأنه عطية وهبة من الله، وذلك لإفراط سرورهم به وانسهم بوروده. قبله:
كأنّ معتقةً في الدن مغلقة ... صهباء مصعقة من رانيء رَدم
قال: يقال رانت به الخمر، وهذا كان يوجب فيه عندي " رائن " كباع فهو بائع، وإنما رواه رانيء بالهمز، ولو كان قبله لوجب فيه رانٍ كشاك من شائك، ولاث من لائث، والذي أراه فيه إنه " فاعِلُن " من لفظ " اليُرَنّأ " وهو الحِنّاء، فاراد هنا اللون وصبغه، فإن قلت: فقد قال صهباء، والصهبة بعيدة من الحمرة؟ قيل: لا ينكر ذلك، وذلك إن الصهباء قد صارت اسما للخمر حتى تُطلق عليها على اختلاف ألوانها وكالمدام هو اسم لها وأن لم يطل دوامها لما استمر فيها.
وقال أبو صخر أيضا من قصيدة:
فُسُمْيٌ فأعناءُ الوجيع فسابس ... إلى عنق المصياغ من ذلك
لا أعرف في الكلام تركيب " س م ي " إنما هو " س م و " فقد يمكن أن يكون بُني من " سموت " اسما على " فُعُل " فكان تقديره " سُمُو "، فلما تطرفت وأنضم ما قبلها قلبت ياء فصارت " سُمٍ " ثم أنه اسكن العين كقولك في ضُرِبَ: ضُرْبَ، فأقر الياء بحالها وإن زالت الكسرة لفظاً لتقديره إياها معنى كقول الآخر قرأته على أبي صالح عن اليزيدي يرفعه إلى الأصمعي: