التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٣٣
قال: قلس البحر: السحاب، ينبغي أن يكون سمى بذلك تشبيها بأحاليل اللبن أي مجاريه، وذلك لأن الوادي مجرى السيل، ولذلك قيل له وادٍ لأنه فاعل من " ودَى يَدى " أي سال، قال أبو علي: ومنه الوديّ لما يخرج من جذع النخلة الأكبر كأنه شيء سال منها، ومنه عندي الدية، ألا ترى إنه شيء يُتَحلَّبُ دفعة بعد أخرى على ترتيب أدائها من المُؤدِّي لها إلى مستحقها فكأنها استحلبت شيئا فشيئا. ولم يصرف " أحليل " لأنه ذهب به إلى البقعة، ومثله قراءة من قرأ: " إِنَّكَ بالوادي المُقَدَّسِ طُوى " فلم يصرفه للتعريف والتأنيث.
ومثله قول طفيل " من الطويل ":
جلبنا من الأعراف أعرفِ غمرةٍ ... وأعرافِ لُبْن الخيل من خير محلبِ
و" لُبْن " اسم جبل، إلا أنه ذهب به إلى تأنيث البقعة فلم يصرفه. وقوله " لأنبئت " بعد قوله " ولو ساءلت " فيه ترك الغيبة إلى الحضور ومثله قوله الله سبحانه: (الحمد لله رب العالمين) ثم قال: (إِياكَ نعبد) ، وقال عنترة " من الكامل ":
شطت مزار العاشقين وأصبحت ... عسراً عليّ طلابك ابنة مخرم
(٣٧) وقال الجَموح السلمي " من الطويل ":
فلا وأبيك الخير تهلك بعدها ... سوى هرم وزلت تكسب مغنما
هو على حذف المضاف أي: سوى هُلْك هرم، وذلك لأنه كان ضربه ضربا ظن به إنه مات ولم يكن الأمر كذلك.
(٣٨) وقال المُذال بن المعترض " من الطويل ":
إذا ما قتلنا بالمحمدِّ مالكٍ ... سراةَ بني لاي فزاح غليلي
قال: المحمد الذي يُحمد من الرجال، لم يمرر بي هذا اللفظ صفة إلا في هذا الموضع، وقياس من قال الحارث والعباس والمظفر أن يقول في العلم اسم رجل: " هذا المحمد " كقوله: " هذا العباس " إلا أنه لم يمرر بنا في الاستعمال أن يراد به الشيء بعينه ولو قاله قائل لم يكن عندي مخطئا قياسا على الحارث والحسن والحسين والمظفر والمؤمل ونحو ذلك، وعلى أنه لو فعل ذلك لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى به من كل أحد لأنه لا أحد أحق بأن يُضعف ويكرر حمده منه عليه السلام. وقال المذال أيضا:
يا عين فأبكي المالكين أول ... الفوارس الأضايف المحول
ويروي: فوارس، قال جمع مالك، وقال: الأمور التي تنزل بهم كأن الأمر حول من غيرهم إليهم، وقد يكون الأضايف جمع ضيف كأنه تحول من عند من لم يرض ضيافته إليهم. هذا جميع ما قاله السكري في التفسير، وأما قوله: " أول " فيحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون نكرة مصروفا كقوله: " فعلنا هذا أولا وآخرا "، إلا أنه لم يطلقه وجاء به على قوله:
وآخذ من كل حي عُصُم
ولم يقل عصما، وعلى قوله " من الرجز ":
أعددتُ للوِرد إذا الورد حَفَز ... غربا جرورا وجُلالا خُزَخَز
ونحو ذلك. والآخر: أن يكون معرفة بالمضاف المنقطع هو دونه فيكون في موضع ضم كقولك " ابدأ بهذا أول "، وقيده كما قيده في القول الأول لأنه بناه على أنه من السريع لا من الرجز، وأما من روى " فوارس " بلا لام فهو اظهر أمرا في الوزن، لأن وزن قوله: فوارسل: " فواعلن " على مَنْ رواه " الفوارس " باللام، فإنه خزم لام التعريف، وفي هذا ضرب نمن الضعف، وذلك أنه قد ثبت عندنا بوجوه الأدلة القوية أن العرب قد أجرت لام التعريف فيما عرفته مجرى الجزء من الكلمة غير المنفصل منها، والخزم إنما يجوز في حرف المعنى إذا لم يبين مع ما دخل عليه بناء بعضه من بعض نحو واو العطف وفائه ولام الابتداء وغير ذلك إلا أنه يشبه لام التعريف بحرف العطف في نحو قولك: " وهو زيد " ونحوه، ألا ترى انه أسكن الهاء وهذا يوجب ألا ينوي فصل الواو نته لما يلزم في ذاك من نية الابتداء بالساكن. وأيضا فقد رووا بيت عبيد:
لله در الشباب والشعر الأسود ... والراتكات تحت الرجالِ
فهذا لا يتوجه إلا على خزم لام الجر ولام التعريف جميعا فيكون الابتداء كقوله: لا هدررش " فاعلاتن "، وإذا جاز أن يحذف مع حرف التعريف لام الجر كان حذفه وحده أولى بالجواز. وأما قوله: وقد تكون الأضايف جمع ضيف، فإن " فَعْلاً " لا يكسر على " أفاعل " ولكن يجوز أن يكون كسر ضيفا على أضياف ثم كسر أضيافا على أضايف ثم حذف الياء الزائدة على حد قوله " من الرجز ":
قد قربت سادانها الروائسا ... والبكرات الفسجَّ العطامسا