التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٣٠
المخاطب بقوله: " ابلغنا " صاحباه، والمخاطب بقوله " متى تجهل خصيمك " هو نفسه كأنه فيما بعد نفسه كقراءة من قرأ: " أعلم أنَّ الله على كل شيء قدير " أي: اعلم أيها الرجل. وواحد الإفتاء: فنى مقصور، لأمه مشكلة، وينبغي أن تكون من الواو من قولهم شجرة فنواء، ووجه التقائهما أن أفناء الناس جهاتهم ونواحيهم، وشجرة فنواء أي لها أفنان ونواح، فهذا وضوحا وانكشافا. وأما ألف " متى " فإنها أصل غير منقلبة، وذلك أن هذا اسم مبني، والأسماء المينية عندنا في كثير من الأمر لاحفة بالحروف، فكما أن ألف " إلا " و " أيا " و " هيا " ونحو ذلك أصول غير متقلبات فكذلك ألف " متى ". فأن قلت: فقد أمالوها وهذه طريق الانقلاب قيل لم يُمل لانقلابها ولكن لتحقيق مذهب الاسمية لها كما أمليت ألف " أنّي " لذلك لا لأن شيئا من ذلك منقلب، فأن قلت: فهلاً أميلت على هذا ألف " إذا " وهي اسم؟ فالجواب عن ذلك من موضعين، أحدهما: أنا لا نعرف في جميع الكلام علة توجب الإمالة، وإنما جميع أسبابها أسباب جوازها لا أسباب وجوبها، والآخر: أن " إذا " اقعد في شبه الحرف من " متي "، وذلك لقيام " متي " في كلا وجهيها الشرط والاستفهام بنفسها، وأن " إذا " في الشرط لا تنفك من الإضافة، وذلك عندنا مضعف لها لا مقوّ كما يظن، وأما المكانية فأضعف من " متى " لمنابها عن الفاء في جواب الشرط وتضمنها معناها، ولا بد قبلها من جملة تبعها. وقد تقصيت القول على بابها في غير هذا الكتاب فاعتمدت عليه ولم أُطل هنا بإعادته.
وفيها:
وتنسى الأُلى جشنا بهم فتركتهم ... لدى خلف يسعون في كل مُرْمَلِ
وكذلك القول في ألف الأُلى ليست عندنا منقبلة، ولو قيل إنها منقلبة لقربها من المتمكن أشد من قرب " متى " لكان وجها، وكذلك ألف " لدى " هي كألف " إلى " وأن كانت " لدى " اسما، ألا تراها عوملت معاملة " إلى " مع المضمر فقيل: لديك ولديه، كإليك وإليه.
(٢٩) وقال عمرو بن هميل اللحياني " من الوافر ":
ألا من مبلغ المعبيَّ عني ... رسولاً أصلها عندي ثبيتُ
وقد قال الفراء في قول الشاعر " من الكامل "
لو كان في قلبي كقدرِ قُلامقٍ ... حباً لغيرك قد أتاها أرسلي
إنه إنما كَسَّر رسولاً على أرسل، لأنه ذهب بالرسول هنا إلى المرأة، وذلك إن أكثر من يرسل في هذا المعنى النساء دون الرجال، فلما أراد المرأة غلَب فيه معنى التأنيث فكسَّرَ " فَعُولاً " على " أَفْعُل "، و " أفْعُل " مما يكسَر عليه هذا النحو نحو: أتان أتُن وعُقاب وأعْقُب وعناق وأعنق ولسان والسُن، وإذا كان الرسول بمعنى الرسالة فقد كفينا هذا التمحُّل والتطلّب فلتقل إنه كسَر رسولا على أرسُل؛ لأن الرسول ههنا الرسالة وهو مؤنث البتة، وقد ذكرت في أول هذا الكتاب طرفا مما حمل من هذا النحو على معناه دون لفظه كقوله " من الطويل ":
فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوصٍ كاعبانِ ومعصرُ
وقوله " من الطويل ":
وإن كلاباً هذه عشرُ أبْطُنٍ ... وأنت بريء من قبائلها العشر
وفيها:
تعلّمْ أنَّ شرَّ فتى أناسٍ ... وأوضَعَهُ خُزاعِيٌّ كتيتُ
قال: كتيت: بخيل، يقال إنه لكتيتُ اليد أي: بخيل. أصل ذلك أن الكتيت صوت غليان القدر إذا قلّ ماؤها، فهو أقل صوتاً واخفض حالا من غليانها إذا كثر ماؤها فهو إلى الضيق والقلّة.
وقال عمرو بن جنادة " من الوافر ":
لقد أسرفت حين كسَوتُ ثوبي ... مرابدَ بالحجازِ لها كتيتُ
" قال " أبو عمرو: كتيت: غليان، كتَ يكِتُّ. ينبغي أن يكون هذا اللفظ مشتقا من الصوت، وذلك لأن الكتيت غليان القدر إذا قلَ ماؤها فكأنها تقول: كتّ كتْ، فاشتقّ منه على حكاية الصوت، ومثله قولهم تغطمطت القدر إذا قالت: غِطْ مِطْ حكاية صوتها، ومنه قولهم في صوت البحر " من الرجز ":
كالبحر يدعو هيقماً وهيقما ... كالبحر ما لقِمتَهُ تَلقَّما
وأنشدنا أبو علي:
يدعو الأشاخيب هشاما تهشُمُهْ
وقال: هشام حكاية شخب اللبن، ومنه بيت الراعي " من الطويل ":
إذا ما دَعْت شِيبا بجني عُنيزةٍ ... مشافِرُها في ماءِ مُزْنٍ وباقِلِ
وإنما الشيبُ صوت مشافرها عند الماء، ومنه قولهم في اسم الفرج: الخاقباق، وإنما سمى بصوته. قال " من الرجز ":