التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٢٧

ذكرّ " بعيد " ولم يقل بعيدة، وذلك لما قدمناه من تشبيه العرب " فعيلاً " بفعول، وتشبيه فَعول بفُعول. ومنه " قوله تعالى ": " إنَّ رحمةَ الله قريبٌ من المحسنين ". وقوله " من الطويل ":
بأعين أعداء وهُنَّ صديقُ
وقال تعالى: (فأنهم عَدوٌّ لي إلا رب العالمين) ، وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى " من الطويل "
ألا ليت أيام الصفاءِ جديدُ ... ودهراً تَوَلَّى يا بثين يعودُ
ومنه قولهم: " جُلّة خصيف " و " ناقة سديس " و " ريح خريق " وهو كثير.
وفيها:
تقول هُذيل لا غَزاوة عنده ... بلى، غزوات بينهن توائب
الغزاوة كالشقاوة والبناوة والسراوة والزذاوة، مصدر " الرذي " الحسير من الإبل ونحوها، وأكثر ما تأتي " الفَعالة " مصدرا إذا كانت لغير المتعدي كما ترى، فأما الغزاوة ففعلها متعدٍ وهو غزوت، وكأنها إنما جاءت على: غَزُوَ الرجلُ، أي جاد غزوه، وقَضُوَ: جاد قضاؤه، كما إن قولهم في التعجب: ما اضربَ زيدا، كأنه على " ضَرُب " إذا جاد ضربه وكذلك: ما أخرجه، على " خَرُج "، وما آكله على " أكُلَ " وإن لم ينطقوا به. وعلى إننا روينا عن محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى: " ضَرُبَتْ يَدُه " أي جاد ضربها، وكان أبو علي رحمه الله يستحسن هذه الحكاية على الكوفيين لموافقتها موجب القياس عنده.
(٢٤) وقال عمر بن قيس المخزومي من هُذيل " من الوافر "
أجنّي كلما ذُكرت قُريمٌ ... أبيت كأنني أُكوى بجَمْرِ
قال قوله: " أجنّي " أراد من أجل أني، وكلمة يقولونها: " لا حين بك " أي لا خفاء بك، وهو ظاهر أي أدرك ما أردت ولا خفاء بما تريد. معناه يرجع عندي إلى أنه قال: أبجدّي كلما كان كذا وكذا، وتأويل ذلك أن " ج ن ن " إنما هي موضوعة لخفاء الشيء ومنه الجن، ولذلك قيل لهم الخافي لاستتارهم، قال القُحيف " من الوافر ":
ديارُ الحي تضربها الطِلالُ ... بها أهل من الخافي ومال
ومنه الجنان القلب لاستتاره، وجنون الليل أي ظلمته، وكذلك بقية الباب ومنه قولهم: لا جن بهذا الأمر أي لا خفاء به، فكذلك قوله: " أجني كلما ذكرت قريم أبيت كذا " أي: أبجد مني ذلك، والجد في الأمر مما يلابس الفكر ويجنه القلب ويشعره الفكر، وكأن النفس مُجِنّة له ومنطوية عليه كقوله:
وحفظة أكَنَّها ضميري
أي: أضمرها وأجنها وانطوى عليها، وقوله:
ثم انطويت على غمر
وقول الآخر " من الخفيف ":
ولنقل الجبال أهون من بث حدي ... ث، حنت عليه الضلوعُ
وهذا باب واسع جدا في الشعر القديم والمولد جميعا؛ فلهذا ما رجع قوله " أجني " إلى معنى: أجدّي، فهذا اقرب مأخذاً من أن يقول إنه أراد: من أجل أني، ثم حذف حرف الجر فصار: أجل أني، ثم حذف الهمزة من أجل والهمزة من أن واللام أيضا وكسر الجيم لأن هذه أعمال كثيرة، ولك عن جميعها سعة ومندوحة.
فأجابه ساعدة بن عمرو " من الوافر ":
فزلت تُحمَل الموصولَ حتى ... تنيك من الكنائن رابَ عشر
قال: الموصول: السيف، وراب عشر مثل قوله: قاب، ينبغي أن يكون قبل للسيف الموصول لما وصل به من قائمه، وأما الكنائن فجمع كَنّة أنشدنا أبو علي " من الوافر ":
وأنّ كنائني لنساء صِدق ... وما ألّى بنيّ ولا أساءوا
ونحو من كنة وكنائن، حرة وحرائر وجزة وجزائر وحقة وحقائق ولصة ولصائص وظنة وظنائن وهمة وهمائم - تأنيث شيخ هم -، وعثة وعثائث. وقوله " تحمل الموصول " أي تجعل له حمائل، ولم يذكر أبو سعيد هذا بشيء. وقوله في " راب عشر " أي قاب، معناه زهاء عشر. ومقياس عشر كقول الله سبحانه: (فكان قاب قوسين) أي: قياس قوسين. وعينه عندي ياء لأنه من الريب، وذلك أن الذي يقيس على الشيء لا بد فيه من ترخيم وتظن، وليس مم يُعلم قياسا بمنزلة ما يدرك ضرورة وعياما، فالنفس به كالمستريبة وليست فيه على يقين علم المشاهدة، ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إنكم لترون ربكم كما ترون ليلة البدر لا تضامون في رؤيته "، أي: لا تلقكم فيه كلفة البحث والنظر بل يُعْلَمُ القديم سبحانه ضرورة لا استدلالاً ولا قياسا.
(٢٥) وقال غاسل بن غُزَيّة الحُرَبي " من البسيط ":
أمن أُمية لا طيفٌ ألَمَّ بنا ... بجانبِ الفرع والأعراء قد رقدوا