التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ١٦
عمر الله: منصوب على المصدر أي: عمّرتُكِ الله تعميرا. فجاء المصدر محذوف الزيادة كقولهم: مررت بزيد وحدّه. أي أوحدته بمروري إيحادا. وقال بعض بني أميّة أنشده ابن الأعرابي:
دَعْ عنكَ غلق الباب
يريد: أغلقه. ومن المصادر المحذوفة الزيادة قول الشمّاخ وهو من أبيات الكتاب " من الطويل ":
أتتني سليم قَضُّها بقضيضها ... تُمَسِّحُ حولي بالبقيع سبالَها
فتاقض محذوف الزيادة أي: انقضاضها. ألا ترى أن صاحب الكتاب فسَّره فقال: " كأنه يقول انقضّ آخرهم على أولهم ". فأما قضيتها فليس بمحذوف الزيادة، ألا ترى أن فيه الياء زائدة لكنه محرف الصورة عن مصدر انقضّ الذي هو انقضاض. ومثله في التحريف لا في الحذف قول القطامي " من الوافر ".
اكفراً بعد ردَ الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرّتاعا
فالعطاء ليس محذوف الزيادة، ألا ترى أن فيه الألف زائدة وإنما فيه الانحراف عن " إفعال " إلى " فَعال ". وقد يجوز في قوله: " بقضيضها " أن يكون القضيض جمع " قَضّ " كعبد وعبيد، ورهن ورهين، وعون وعوين، وطسَ وطسيس.
ومعنى نصب " عمر الله " انه كأنه قال: سألت الله أن يعمّرك كما تحب أن يعمّرك. فعمر الله إذن مصدر مضاف إلى الفاعل أي تعمير الله إياك. فأما " ما " من قوله: " إذا ما تجلّ الكبائر " فيحتمل أمرين. أحدهما: أن يكون زائدة كأنه قال: إن تسأليهم إذ يكبر الكبراء لضيق الزمان وشدته فتبين بذلك أفعالهم ويحسن به الثناء عليهم. والآخر: أن يكون نفيا كأنه قال: إذا تصغر الكبراء لضيق الحال وشدة الزمان فتتساوى أحوال الناس وهذا في المعنى كقول الحسن رضوان الله عليه: " لن يزال الناس بخير ما تفاوتت أحوالهم ".
وفيها:
فما ذرَّ الشمس حتى كأنما ... ألاحَ بهم قبلَ الشُرَيقةِ طائر
الشرق: الشمس فلذلك لما حقّر الحق التاء.
(١١) وقال ابو ضبّ من قصيدة
ولقدْ أقودُ الجيشَ احمل رايتي ... للجيشِ يَقْدُمُهُمْ كميٌ أسودُ
لام " الكمي " ياء لانه عندهم من كمي الرجل شهادته يكميها إذا سترها. والتقاؤهما أنه يسَّتَّرُ بشجاعته من أن يعرض ضرب الخلل له. وحكى أبو زيد في تكسيره: أكماء.
وأنشد " من الطويل ":
تركت ابنتك للمغيرة والقنا ... شوارعُ والأكماء تَشْرق بالدم
وقال أبو ضب أيضا " من الطويل ":
كأنَ حَويّا والجَدِيَّة فوقه ... حُسام صقيل قَصّهُ الضربُ فانحنى
لام " الجدية " وهي هنا الدم واو، وقد تقدم ذكر ذلك.
فيها:
ولم يحبْنها لكن جناها وليُّه ... فَآدَ وآساده فكان كما جنى
لم يفسره، والقول فيه أن معنى " آد ": اثقل. أنشد أبو علي لحسان " من المتقارب ":
وقامت ترئيك مغدودنا ... إذا ما تنوء به آدها
أي أثقلها. ومعناه أثقله وليه أي من تلزمه تبعته. وآسى هو الحاني عليه، فكان كالجاني عليه. ولام " آسى " واو لان معناه جعل نفسه أسوة صاحبه.
(١٢) وقال خُويلد بن واثلة من أبيات " من الطويل ":
فقلت لهم قوم بأعناء نخلةِ ... وأجوازها فيهم قراري ومولدي
واحد " الأعناؤ " وهي النواحي " عنا " مقصور. وقد تقدم القول على أن لام " عنا " واو.
(١٣) شعر أبي قُلابة " من البسيط ":
يا دارُ أعرفها وحشا منازلُها ... بين القوائمِ مِن رَهطٍ فألبانِ
ليس قوله " أعرفها " وصفا لدار، وذلك أن الجملة نكرة ودار هذه مخصوصة لقصدك أيها بندائك اياها، والمعرفة لا توصف بالنكرة، ألا تراك تقول: " يا رجلُ الظريف أقبلْ "، وإذا كان كذلك فقوله " اعرفها " استئناف خطاب فكأنه قال لصاحبه: أنا أعرفها ومثله بيت الكتاب للأحوص:
يا دار حَسَرها البلى تحسيرا ... وسفت عليها الريح بعدك مُورا
ولكن قوله " بحزوي " من قوله " من الطويل "
أداراً بحُزوي هجت للعين عَبْرَةً ... فماء الهوى يَرْفَضَ أو يترقرق
صفة لدار لانه أخجها مخرج النكرة. واما قوله " من الوافر ":
ألا يا بيت بالعلياء بيتُ
فهو كبيت الهذلي: يا دار اعرفها. وكذلك قوله " من الرجز ":
يا هندُ هندٌ بين خِلْبٍ وكبد