التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٤٠

سوّى مساحيهن تقطيط الحقق تقليل ما قارعن من سم الطرق وهو كثير جدا. ويجوز أن يكون تقديره: وجن عليك الليل رواقة دان، يجعل الجملة في موضع الحال، ثم قدمت الخبر على المبتدأ كما تقول في الصفة: مررت برجل قائم أبوه، يريد: أبوه قائم، ثم قدمت.
وفيها:
مع الشَّوْقِ يوم الأربعاء لقيتها ... فما بال يوم الأربعاء وماليا
قال: فلما سمع أبو السائب المخزومي بهذا البيت قال: لا بل ما باله وبال يوم الأربعاء. ينبغي أن تكون ألف " بال " منقلبة عن واو لامرين، أحدهما: انها عين، وهذا واضح، والآخر: انه من معنى البول وان غمض الطريق إليه، وذلك انه معني ما حالك وما بالك سواء، ويقال: هو بحال سوء وبال سوء، والحال: الحمأة وكأنها سميت لاستحالتها ونتنها، وقد ساغ عنهم أن الاستحالة مصروفة إلى التغير والكراهة كقولهم: قد استحال فلان عن المودة أي فسد بعد صلاح، ولا يقال: قد استحال فلان عن القطيعة إلى الصلة، ولا عن الشر غلى الخير، وإذا ثبت بذلك أن الحال في أكثر أمرها إلى التغير المقترن بالفساد، وكان البال بمعنى الحال لم يمتنع أيضا أن يكون من معنى البول لفساده كما إن الحال هي من معنى الحمأة، وقد تقصيت هذا الفصل في موضع آخر من كلامي وتعليقي.
(٥٢) شعر أبي صخر قال " من الطويل ":
تعزيت عن ذكر الصبا والحبائبِ
فيها:
ولو انهم قالوا لقد كنت مرة ... عرفت ولم أنكر جواب المجاوب
قال: أراد كنت تحبهن فكيف تنهانا. إذا استضعف من جهة السماع ومن طريق القياس جميعا حذف خبر " كان " وقلما مَرَّ بي منه، ووجه ضعفه من قبل القياس أن خبر " كان " إنما لزمها ليفاد منه الحدث المخترم منها، ألا ترى انك إذا قلت: " كان زيد قائما "، فإنك إنما استفدت الحث الذي هو القياس من قائم لا من " كان "، ف " كان " خبرها جميعا يفيدان ما يفيده الفعل مجردا بنفسه. فكما لا يجوز انفكاك الفعل من دلالة الحدث إلا في هذه الأفعال التي لزمها أخبارها أعواضا مما جردت منه من أحداثها، أعني كان وأخواتها من نحو: أصبح وأمسى وبقية الباب، فكذلك لا يحسن حذف خبر " كان " لما ذكرت لك، وليس كذلك خبر المبتدأ لانه لم يؤت به عوضا من حذف مخترم فيلزم ترك حذفه كما يترك خبر الحديث من المثال المصوغ لتحصيل الحدث في أحد الأزمنة وهي المثل التي يسميها النحويون الأفعال. فهذا وجه امتناع حذف خبر " كان " وأخواتها من طريق القياس، فإن جاء فيها شيء من ذلك فهو لامرين، أحدهما: انه في الأصل خبر المبتدأ وقد ساغ واطرد حذف خبره، والآخر: انه قد شابه المفعول بانتصابه بعد المرفوع، والمفعول سائغ شائع حذفه.
وفيها:
فإن يلبسوا بُرْدَ الشبابِ وخاله ... وأغتدِ في أطمار أشعت شاحبِ
عين " الحال " ياء لانه من الخيلاء قال: والخال ثوب من ثياب الجُهَال.
وفيها:
قصار الخطى شم شُموس عن الخنا ... خدال الشَّوى فتح الأكفِّ خراععبِ
شُموس: شامسة كقاعد وقعود، كسَّره على حذف الزيادة، ويجوز أن يكون جمع " شَموس "، فقد كسروا " فَعِيلة " على " فُعول "، أنشد الفراء " من الوافر ":
وذبيانية أوصت بنيها ... بأ كذبَ القراطفُ والقطوفُ
وقال: هو جمع قطيفة، ومثله: منيئة ومُنُوء، وسفينة وسفوف، و " فَعول " أخت " فَعيل " كسروا أيضا " فَعول " على " فُعول ".
كمورِ السُقي في حائر غَدق الثرى ... عذاب اللمى يُحبين طَلَّ المناسبِ
قال: السُقي، التي تسقي الماء، ينبغي أن يكون " السقي " جمع سُقيا، وهو على حذف المضاف كأنه قال: كمور ذوات السقي، ثم أقام المضاف إليه مقام المضاف وفيها:
فلا تغتبط يوما بدنيا ولو صفت ... ولا تأمنن الدَّهرَ صَرْفَ العواقبِ
نكر " دنيا " وهي تأنيث الأدنى، وأنت لا تقول في الصغرى صُغرى، ولا في الكبرى كبرى لكنه لما كثر استعمالها اسما شبهت بغيرها من الصفات نحو الرجعي والعذري والعمري، وقد قال العجاج:
في سعي دنيا طالما قد مَدّت
وحكي ابن الأعرابي فيها الصرف، وقال أيضا: شهبوها ب " فُعْلَل ". الصرف يدل على تنقل حالها وبعدها عن حكم أخواتها.
وفيها:
فَحرّ على سيف العراقِ ففرشه ... فأعلام ذي قوس بأدهم ساكبِ