التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٤٣

فراعَ ودَعْوات الحبيب تروع
وأنشدني بعض أصحابنا " من الرجز ":
عَلَّ صُروفَ الدهرِ أو دُولاتِها ... تُديلنا اللمَّةَ من لَمّاتِها
فتستريحَ النَفس من زفْراتها
الغرض: زَفَراتها.
وفيها:
فعجلت ريحان الجنان وعُجّلوا ... زمازيم فوّار من النار شاهِبِ
اراد: " فعجل لي ريحان الجنان، وعجل لهن زمازيم فوّار "، فقلب للعلم بالموضع، والقلب كثير منه قوله:
أسلموها في دمشق كما ... أسلمت وحشية وَهقا
ومنه قوله:
ما أمسك الحبلَ حافرُه
ومنه:
أوبلغت سوآتِهم هَجَرُ
ومنه: " إذا طلعت الشعري واستوى العودُ على الحِرباء "، وشاهب أراد أشهب، فبناه على " فاعل " وقالوا شيء ثاقل بمعنى ثقيل، قال وروينا عن الفراء:
ممكورة غرثي الوشاح السالس ... تضحك عن ذي أشر غضارس
يريد: السلس، وقرأت على أبي سهل أحمد بن زياد بن محمد عن السكري " من الطويل "
بمنزلة أما اللئيم فسامِنٌ ... بها، وكرام الناس بادٍ شحوبها
ومثله قول كثير " من الطويل ":
وصفراء رعبوب كأنّ وشاحها ... على ناعم من غاب دجلة غاري
أراد: أغير، فهذا يجوز أن يكون فعلاً كقولهم: كبش صاف ويوم راحٌ، ويجوز أن يكون أراد غائرا فقلب، كشاكٍ ولاثٍ.
وقال أبو صخر أيضا " من الكامل ":
بكر الصبا منا بكور مزايل
فيها:
وعنائبٍ غَدَوية تندى ضحىً ... وغياطل للهو بعد غياطلِ
أراد: عنائب، يريد السراب، ويروي: جنائب يريد ريح الجنوب. يجوز أن يكون " عنائب " جمع عنبيّة يريد الخمر وكان يجب إذ كسر على مثل بُختيّة وبخاتي أن يكون عنابيّ إلا إنه في التقدير خفف فصار: عَنابٍ كمهريّة ومهارٍ، وبختية وبخاتٍ، فلما صار إلى عنابٍ قلبه فصار: عنائب، فقياسه على هذا إن لا يهمز لأنها ياء متحركة في الأصل إذا قلت عنابيّ أو خففت فقلت رأيت عنابي، وليست بهمزة عرضت في الجمع، ومثله من الجمع حمار مصريّ وحمير مصاريّ، روينا ذلك عن محمد بن حبيب، وزعم إنه أخبر به أبن الأعرابي فكتبه عن محمد حكاه له أبن حبيب عن أبي ثوبة، ومثله من المقلوب ما رويناه عن أبي علي يرفعه إلى يعقوب " من الطويل ":
لقد أورثتني يوم قَوّ حزازة ... مكان الشجا تجول تحت الترائق
أراد: التراقي جمع ترقوة، إلا إنه هكذا روى الترائق بالهمز، وقياس هذا أن يكون هذا عنائب بالهمز. و " غذوية " منسوبة إلى الغداة أول النهار وفيها:
جاوزتنا بقلي اللذات الصبا ... وأذى وأقذار وشيب شامل
لام " أذى " ياء عندي لاطراد الإمالة فيه، ولأنها لام، والياء أغلب على اللام من الواو، وإن علقت اللام في " اللذات " بنفس " قلى " فلا ضمير فيها لتعلقها بالظاهر، وإن جعلتها وصفا ل " قلى " ففيها ضمير لتعلقها بالمحذوف، ولام " قلى " ياء لقوله:
قالت سُليمى إنني لا أبغيه ... أراه شيخاً عارياً تراقيه
محمرة من كبر مآقيه ... مقوساً قد ذرئت مجاليه
يقلى الغواني والغواني تقليه
ولام " الصبا " واو لإنه من " صبوت ".
وفيها:
وبسحبة تغشى السواد وعشوة ... مالي عدمتك من رفيق خاذل
قال: سحبة غشاوة على بصره، ينبغي أن يكون " سحبة ": فُعْلَة من سحبت الشيء كأنه ينسحب على ناظره وهو قريب من لفظ " السُحْمة " ومن معناها؛ لأنه شيء يسودّ له ما أنار وأضاء من بصره، ولام " تغشى " ياء وليس من لفظ الغشاوة لقوله سبحانه: " ينظرونَ إليكَ نَظَرَ المغشيّ عليه من الموتِ "، ولا أحد يقول مغشو في هذا المعنى، ومنه قولهم: الغشى لغشاء الشيء ولا تحمله على قِنية لقلته.
وفيها:
يهذي وتشهره العيونُ ومُخُّهُ ... رارٌ، وليس بما يريد بنابل
عين " رار " ياء لقوله:
أقول بالسبت فويق الدير ... إذ أنا مغلوب قليل الغير
والعظم مني باديات الرير
هكذا رووه بفتح الراء، ويقال: رار المخ واراره الله أي أذابه. قال " من الوافر ":
أرار الله نقيك في السُلامى ... على من بالحنين تعوّلينا
بل قد أتاني ناصح عن كاشح ... بعداوة ظهرت وزَغْر أقاول