التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٢٢

أراد: وقد ازدريتها، وليست هذه الواو واوَ حال وإنما هي عاطفة جملة على جملة فهو كقوله: قدم محمد، وقد انصرف سعيدٌ، وقد قامت الصلاة، تعطف جملة على جملة وليست واحدة منها منصوبة الموضع بالأخرى.
وقال البريق " من الوافر ":
رَميتُ بثابتٍ من ذي نُمارٍ ... وأردفَ صاحبانِ له سواه
فيها:
وأومأت الكنانةَ أنَ فيها ... معابل كالجحيم لها لظاه
قال " لظاه " توقُدٌّ وحِدَّةٌ، أراد إلى الكنانة فلما حذف حرف الجر أوصل الفعل، وقد تقدم نظيره.
وفيها:
وأحْرِ بآخرٍ قانٍ وإني ... وثالثكم كمعتسفِ السفاه
قال أي: سفهاء البهمي قوله في أول قوافيها سواء وجمعه بينهما وبين السفهاء ولظاه يدلك على أنه بنى القصيدة على التقيد لا على الإطلاق، لأنه لو أطلقها لقال سواه والسفاه فاختلف الروّيان مع هناك من الأقوام. نعم وليس الرويان متقاربين تقارب الميم والنون والطاء والدال والصاد والسين ونحو ذلك، فيجوز ارتكاب الأكفاء في ذلك، ألا ترى إلى بعد " ما " بين الهاء والتاء، وإذا كان كذلك كاد يفسد علينا أصلا مجتمعا عليه كلنا. ألا ترى إلى وقوع الإجماع على انه ليس في الشعر روى مقيد يمكن إطلاقه إلا وهو بين ضرب أطول منه وضرب أقصر منه، وذلك نحو الضرب الثاني من " الرمل " وهو: " فاعلان "، ألا تراه فوق " فاعلن " ودون فاعلاتن، وكذلك الضرب السابع من " الكامل " وهو " متفاعلان "، ألا تراه فوق " متفاعلن " ودون " متفاعلان "، وكذلك الضرب الثاني من " المتقارب " هو " فعول " وهو فوق " فَعَل " ودون " فعولن ". وقوله في هذا البيت " سواه " و " لظاه ". وزنه " فعول "، والضرب الأول من " الوافر " لا يجوز فيه هذا التقيد لانه إذا قَيَد كان " فعول "، ويمكن إطلاقه قصير " فعولن "، وليس تحت " فعول " ضرب اقصر منه بل لا يجوز غبه إلا " فعولن " مقطوفا كما ترى، فأما ما أنشده الرواة من قول جرير " من الوافر ":
متى كان الخيام بذي طلوح ... يقيت الغيث أيتها الخيام
وقال عمرو بن كلثوم " من الوافر "
بشبان يرون القتل مجدا ... وشيب في اللقاء مجربينا
فإنما هو تقييد يعرض في الإنشاد في مذهب بعض العرب، وليس شيئا مجتمعة عليه كل اللغات في جميع الإنشاد. ألا ترى أن بعضهم يطلق بحرف اللين فيقول الخيامو، وبعضهم ينون فيقول: الخيامن، وليس شيء من ذلك جائز في قولهم: سواه وسفاه ولظاه؛ لأنه متى أطلقت اختلف الرويان فصار " سواهو " مع " لظاتي " و " لسفاتي " فقد صح بذلك انه مقيد وانه يمكن إطلاقه إلا انه ليس تحته ضرب أقصر منه على ما تقدم به الشرط فقد بان بذلك خروج هذه القيافة عن سائر القوافي. قال: قلت فان هذا الروي مقيد لا يمكن إطلاقه لأنه إن أطلقه اختلف روياه، وإنما الشرط في الروي المقيد إذا أمكن إطلاقه، وهذا ليس ممكنا فقد سقط ما رمت إلزامه. قيل: هذا ساقط عنا من وجهين، أحدهما: أنه إنما شرط نفس إطلاق ولم يشرط اختلاف الرويين ولا اتفاقهما. والآخر: إنك لم تعتقد إطلاقه جعلت ضرب الوافر " فعول " بناء البتة لا على وجه تقييد الإنشاد في بعض مذاهب العرب دون بعض، وهذا ما لا يراه أحد، ألا ترى أن الإجماع واقع على أن الوافر ثلاثة أضرب، وأنت إن بنيت على هذا التقيد البتة أن له أربعة أضرب فالأمر كما تراه قبيح ضعيف إلا أن له عندي من القياس وجها ما، وذلك أن أبا الحسن قد ذكر أن بعضهم يُنشد " من الرجز ":
أقول إذا جئن مذبّحاتِ ... ما أقربَ الموتَ من الحياة
فيقف بالهاء فيقول " الحياة "، وهو لا يقف في " مذبحات "، إلا بالتاء، فكما اختلف الرويان في التقيد والوقف لنية اتفاقهما في الإطلاق، كذلك يجوز أن تقول " سواهو " مع " السفاتي " فيختلف الرويان في الوصل، فيحتمل ذلك بعض الاحتمال لنية اتفاقهما في الوقف، وعلى أن هذا أضعف من " مذبحات " مع " الحياة " من قبل ان العمل إنما هو مع الإطلاق لا مع التقيد، ألا ترى أن أكثر الشعر مطلق واقله مقيد. ووجه آخر: وهو أن يجوز " لظاهو " و " السفاهو " فيطلق هاء التأنيث هاء ينوى به الوقف كما حكى صاحب الكتاب من قول بعضهم في العدد الشهربعة ".
ومما أجرى فيه الوصل مجرى الوقف من قولهم " العيهل " و " الكلكل " وقوله " من الوافر ":
ومَنْ يتقْ فإن الله معه ... ورزق الله مُؤتابٌ وغادي
وهو كثير فاعرفه.