التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ١١

أي: ليس عندي براح. وتكون اللام بعد بؤسى خبرا عنها. ويجوز أيضا على هذا أن تجعل اللام صفة لها، والخبر محذوف. ويجوز أيضا أن تعلق اللام بؤسى كما جاز فيما قبل، إلا أن بؤسى على هذا القول منونة في التقدير، كانت اللام بعدها خبرا عنها وصفة لها أو متعلقة بها نفسها من قبل أن التنوين إنما يحذف من الاسم المبني مع " لا " الناصبة، فأما الرافعة فإنها لا تعترض على تنوين ما بعدها بنفيه ولا إثباته.
وفيها:
كأنَّهُمْ تَحْتَ صَيْفيَّ له نَحَمٌ ... مُصَرَّح طحرت أسناؤه القَردا
" أسناؤه " هي جمع سنا وهو الضوء. لام " سنا " واو لقولهم في التثنية: سنوان. وهو عندي السنة " كذا " وذلك لانهم يقولون: حول مجرَمٌ، وحول منجرد. وإذا تجرد الشيء ظهر وزال عنه ما يخامره ويستره فأنار للعين وبدا فكأن عليه ضوءً ونوراً، ولان السنة أيضا مشهورة معلومة الهدة شائعة المعرفة في الكافة فكأنَ عليها نوراً وضياءً
حتى إذا أسلكوهم في قُتائدَة ... شكلاّ كما تَطْرُدُ الجَمَّالةُ الشُرُدا
همزة " قتائدة " وهي موضع، حشو لأنها حشو ولم يدل على زيادتها دليل، ولا تحملها على جُرائض وحُطائط لقلة ذينك.
وقال المُعتَرض بن حَبواء الظَفَري من أبيات " من الوافر ":
تركنا الضَبْعَ ساريةً إليهم ... تنوب اللحم في سرب المخيمِ
المخيم ويقال جبل. لا يخلو " المخيم " من أن يكون مفعولا محذوف العين كمبيع ومكيل. فأما " فَعيل " فيبعد عندي لأنك لا تعرف في الكلام تصريف " م خ م "، وعلى انه لا ينكر أن تأتي في الكلام الكلمة ولا تستعمل حروفها في غيرها، ألا أن من جنونا تركيبها من " م ج ن "، ولا تجد لهذه الأحرف تصريفا في غير هذه الكلمة. وكذلك كوكب وابنم وعُرَ يقصان والسَيْبَ والقيقب. ونظائر ذلك أكثر من أن يحاط بها، فكذلك " مخيم " يجوز أن يكون تركيبه من " م خ م "، إن لم تجد ذلك تصرفا في غير هذا الحرف، ولكن الأظهر أن يكون مخيم مفعولا من خام يخيم إذا جبن واصله: مخيوم، فلحقه ما لحق مكيلا ومبيعا على اختلاف الرجلين فيه. فإن قلت فإن " خام " غير متعد، ألا ترى إلى قوله " من الكامل ":
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولو أنى تضايق مقدمي
فكيف جاز أن تبني مفعولا من فعل غير متعد؟ قيل: قد يمكن أن يكون أصله غير مخيم فيه أو إليه ثم حذف الجر فارتفع الضمير فاستتر في اسم المفعول كقول لبيد:
الناطق المبروز والمختوم
أي المبروز به ثم حذف حرف الجر فصا المجرور مرفوعا فضمنه اسم المفعول كما قال " من الطويل ".
" كأنّ ثبيراً في عرانين ويله " ... كبير أناس في بجاد مزمل
أي مزمل به أو فيه، ثم حُذف الحرف فارتفع ما كان مجروراً فاستكن في اسم المفعول، ومزمل عندنا وصف لبجاد لا لكبير على الجواز كما ظن قوم، ولو ثنيت على هذا فقلت: كبير أناس في بجادين مزملين، فثنيت اسم المفعول لما استتر فيه الضمير، ولو جئت به على الأصل لقلت: في بجادين مزمل بهما أو فيهما، فلم تثنه لأنه لا ضمير الآن فيه، ألا ترى إن حرف الجر وما جرَه في موضع رفع بمزمَل، ومحالٌ أن يكون فيه ضمير وقد رفع ما بعده؛ لأن الفعل وما جرى مجراه لا يَرفع اسمين إلا على وجه الاتباع وطريق الإشراك. وكان هذا الوادي أو الجبل إنما سمى مخيما لأن قوما حاموا فيه أو خاموا إليه أي فزعوا إليه واعتصموا به أما باستخفائهم في الوادي أو توَقُّلهم في الجبل. والله أعلم.
لهامهم بمِدْفارٍ صياحٌ ... يُدَعَي بالشراب بني تميم
قال " مدفار " بلد لبني تميم، وإنما هو مِدْفرٌ فمدَه فقال: مدفار. لو أنه قال بمدفر مقصورا غير ممدود لجاز في وزن هذا البحر، ألا ترى أنه من الوافر، وكأن الجزء يكون لهامهمي: " مفاعلتن "، بمدفر: " مفاعلن "، فكان الجزء يكون معقولا كما ترى، إلا أنه آثر ارتكاب الضرورة مخافة زحاف الجزء، وليس هذا مذهب الجفاة الفصحاء. قال أبو عثمان في تصريفه: " وأما الجفاة الفصحاء فأنهم لا يبالون كسر البيت مخافة زيغ الإعراب ". يعني أبو عثمان بكسر البيت الزحاف لا الكسر الصريح، فأما الكسر البتة فغير جائز على حال فاعرف ذلك. فأجابه عبد مناف بن ربع " من الوافر ":
ألا أبْلغْ بني ظَفَرٍ رسولاً ... ورَسْبُ الدَّهْرِ يَحْدُث كُلَّ حين