التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٣٧
ولم تَشْظَ حين الغَمْز والتعطّفِ
لام " الشظا " مشكلة، ولا دلالة في شَظِيَ يشظى، الا انهم قد قالوا فيما يساوقه الشُواظ والوشيظة، ولم أرَ هنا الياء، وهذا مذهب كان أبو علي يأخذ به. ومغنى الوشيظ والشظا متقاربان لان الوشيظة قطيعة عظم لاصقة بالعظم الصميم، وهذا نحو الشظا والشظية، فهذا يقوي الواو.
(٤٥) وقال حُدير شاعر بني ذؤيبَة " من الوافر ":
ألم تعلم بمحبسنا حياشا ... وحيَّ خويلد حتى استقاما
قال: حياش اسم رجل وهو من " ح وش "، وكأنه مصدر سمي به من قولهم: حُشْتُ الصيدَ حَوْشاً وحياشاً، ولو صُغت من " حُشت " اسما غير مصدر لقلت " حواشاً " في " فِعال " منه، ومنه قول العجاج:
يَخْلِطْنَ بالتأنُسِ النَّوارا
فصح، وان كان نارينور معتلا، لانه أراد الاسم لا المصدر، ومثله عندنا تسميتهم الرجل " إياساً " وهو كحِياش من حاش يحوش، لانه مصدر أشبه إياساً، أي اعطيته. أنشدت ابا علي لرؤبة
يا قائد الجيش وزير المجلسِ ... أُسنى فقد قلت رفاد الأوّس
فاستفصحه وقال: لو كان أبو عثمان يصرف له ما زاد على هذا، وذهب السكري في غير هذا الكتاب إلى أن " إياسا " مصدر أيست من كذا، قال أبو علي رحمه الله: وليس كذلك، وإنما هو مصدر أُسْتُ أي أعطيت كما سموه عَطاءً. وقد تقدم ذكر هذا ولا مصدر ل " أيست " لانه مقلوب من " يئست "، ولو كان أصلا غير مقلوب لاعتل كهبت لكنه صَح لانه في معنى ما صحت عينه وهو " يئست " فاعرفه: (٤٦) وقال عقيل بن زياد الهذلي " من الوافر ":
ولو جاريتني لمدى بعيد ... تجرَّدَ لا ألفُّ ولا عَثورُ
أي: تجرد مني رجل لا آلف ولا عثور، وهو الرجل المذكور، وهذا هو الذي كان أبو علي رحمه الله يسميه التجريد، ولقد احسن العبارة عنه ونحوه قول طرفة " من الرمل ":
جازت البيدَ إلى أرحلنا ... آخر الليل بيعفورٍ خَدِرْ
وهي اليعفور، وقد تقدم القول على هذا المعنى مستقصى.
(٤٧) وقال عبد الله بن أبي تغلب الهذلي " من المتقارب ":
أرقت ومالك ألا تناما ... وبت تكابد ليلاً تماما
قد قالوا: ليل التمام، فأضافوه، وقال هنا: ليلاً تماما فوصف به، قال " من الطويل ":
يُسَهَّدُ في ليل التمام سليمُها ... لحلي النساء في يديه قعاقع
ومثله مما يوصف به تارة ويضاف إليه تارة قولهم: " قدحٌ نضارٌ "، و " قدحُ نضارٍ "، و " سَهْمٌ غَرْبٌ "، و " سَهْمُ غربٍ "، و " عنقاءٌ مُغْرِبٌ "، و " عنقاءُ مغرَبٍ ". وله نظائر وفيها:
إذا الموتُ أن من مَعْشَرٍ ... فئاماً يعود فيُفنى فئاما
قال: الفئام جماعة من الناس، هو عندي من قول زهير " من الطويل ":
ظهرن من السوبان ثم جزعنه ... على كل قينى قثييب ومفأمِ
ألا تراهم قالوا في تفسيره أن المفأم: المشبع الصبغ، والتقاؤهما انه كأنه جمعت فيه أجزاء من الصبغ كثيرة، وكلام العرب كله جار مجرى الأمثال.
وفيها:
ربيعاُ وصخراً ولا جابراً ... وعِصمةَ أمسوا عظاماً وهاما
ألف " هامة " بدل من واو قياسا واشتقاقا، أما القياس فالحمل على الأكثر، وأما الاشتقاق فلأنَّ الهامة الميت، قال " من الطويل ":
تمتع بليلى إنما أنت هامة ... من الهام يدنو كل يوم حمامها
قرأته على أبي سهل عن السكري، وقرأت عليه عنه أيضا " من الطويل ":
كذلك ما كان المحبون قبلنا ... إذا مات موتاها تزاورُ هامها
والتقاؤهما أن الميت عندهم في حكم النائم، والنائم في حكم الميت، وردت بذلك الأشعار ومطرد الاستعمال، قال " من الطويل ":
ألمّا يئنْ للنائمين انتباهه ... فقد طال ذا نوما وطال بكائيا
وهو كثير جدا، وقد قلوا: هَوَّم إذا نام، أنشدنا أبو على رحمه الله لذي الرمة " من الطويل ":
وألا ينال الركب تهويم وقعة ... من الليل إلا اعتادني منك زائر
وقرأت عليه للشنفري، وأنشدناه أيضا أبو بكر المراغي محمد بن علي عن أبي إسحاق " من الطويل ":
فلم تَكُ إلا نبأةٌ ثم هَوَموا ... فقلنا قطاة ريع أم ريع أجدلُ
فهذا واضح كما تراه.
وفيها:
تنال بهم وبأمثالهم ... بحار العلاء ونأبى الظُلاما